منذ كان صغيراً وهو يعتقد كأبناء جيله بأنها حبة الكرملة التي يتحلب لها الريق، الأنثى الكاملة التي خُلق لأجلها الحب والغرام. هي المرأة التي يجب أن تُحَبَّ وتُغوى، حتى وإن كان حدثاً لا يتقن أبجديات الحب ولا يدرك لغته، غير أن راحةً في قلبه مبعثها جمال الصورة لا تفارقه، يلازمها كظلها، ولا يغادر عتبتها خياله. تتمشى الراحة في كيانه الناشئ حين تهل، وتنشب فيه النشوة حين تستدعيه ليحمل عنها بعض متاعها؛ تراه صبياً غريراً لا يزال ينبعث منه عبير الطفولة، أما هو فقد صرف اهتمامه إليها، وانجذب بكليته نحوها، يتوجع حين مرآها توجع العاشق المتيم.
انعكست صورتها الفاتنة في تلافيف قلبه قبل عينه، وتغلغل شدوها بين تجاويف عقله الغض، يأكل بعينيه كل عضو بارز فيها، ويلاحقه شبحها في نومه وصحوه، فتثور قوة الرجولة في رأسه قبل أوانها.
"حورية" جنية القرية اللعوب، ومعبودها الذي يتعثر شبابها ورجالها في حبال فتنته الصارخة، الشجرة الفينانة التي تثمر الغواية، لا يزال يطوف برأسه ذلك المشهد؛ ليلة أطل عليها خلسة من النافذة، وقتها تشبث بأسياخ الحديد وقد هاله ما رآه، كانت المرأة قد نضت عنها ثيابها ليتجلى على إثر ذلك عمود المرمر الأبيض سابحاً في طست نحاسي أحمر. اشتبكت ساعتئذ كل جارحة فيه بتلك الآلهة المستغرقة في سكب الماء تحت خيوط القمر الناضج، تلألأت ثنايا جسدها في بهرج يأخذ العقل، وتدحرجت قطرات الماء كقطع الفضة من فوق سهول ووديان، تحررت الأنوثة في زهو صاخب، وتصلبت العجيزة الثقيلة من تحت خصر نحيل، والتف الثديان المكتنزان كرمانتين ناضجتين، واختمر البطن الضامر كماجور العجين، وانسابت جدائل الشعر الفاحم كعراجين البلح، أما الوجه المستدير فقد رسم الشباب خطوطه فوق ملامحه: الوجنتين، والشفاه المضمومة في التهاب شهي.
يتذكر كيف تحركت أنفاسه، وكيف تثلجت أطرافه. ظن ليلتها أنما غفلت عنه، وغاب عنه أن "حورية" جنية القمر تعرف كل شيء، امتدت يدها نحو غلالة رقيقة لفت بها كنزها الثمين، لتبدو مجلوة كشعاع الشمس وتغيب من أمامه، قبل أن ترسل إليه بابتسامتها العذبة
يقول الراوي إن "حورية" ولدت كجنية، هي وحيدةٌ لامرأة غريبة عن الزمام، سكنت خُصّاً صغيراً على أطراف الغيطان، كانت مثل قمح الجلاب تتراقص لمرآها شوارب الأكابر. لم يُعرف لها رجل، ولم يُعرف لابنتها أبٌ غير ذلك الأفندي الأنيق حين يهبط عليهما بين حين وآخر في سيارته الفارهة. كبرت "حورية" واستوت على سوقها، صبت آلهة الحسن في قالبها كل آيات فتنتها فلم تبخل عليها، وتسلمت عرش الغواية من بعد أمها الراحلة.
مبكراً عبثت الفتاة بقلوب الرجال، مدت نحوهم خيوط الأمل الرقيقة فجذبتهم بلا مقاومة، لكنهم رغم هذا لم يحصلوا منها على ما يروي غليلهم. تضرب في الأرض عبثاً، وتترامى ضحكاتها في صهللة مريبة، وتدل هيئتها المستهترة على أنها لا تريد أن تقع إلا في كل نقيصة، ويطل من عينيها نهم موحش. بمرور الوقت كره نساء القرية استخفافها وتبجحها المفتعل، وخشين على أزواجهم من سحرها الأخاذ ذلك البريق المشتعل، فأذعنّ على الملأ دون تورع بأنهنّ كرهنها، وشاع أنها لا تبيت ليلتها قبل أن تشبع جسدها من عشرة رجال. اكتفت هي من تلك الكراهية بابتسامة جامدة فوق شفاه متحجرة، ومع ذلك لم تحاول الظهور كضحية، بل تمادت في حبك الدور بإتقان وبراعة، حتى وإن اعتملت نيران اللهب في صدرها.
يسترجع صاحبنا تفاصيل تلك الليلة حين همست إليه بصوت تخنقه العبرة، آنذاك زفرت عن صدرها أنفاس الضيق، ورجته أن ينقطع عن زيارتها، وأن يستمع لنصائح أمه وألا يغضبها. اقترب منها وهو يهز رأسه مجاملة، اعتدلت في جلستها، وطلبت منه أن يدنو منها وأن يجلس إلى جوارها فوق حشية الصوف. التصق بها لتلقي برأسها فوق كتفه، وارتفعت دماء خجله في وجنتيه.
ببطء رفعت رأسها المجهد، وغمرته دون أن يعي بقبلة طويلة. كان صغيراً بحيث لا يفقه، لكنه استراح لهذا الشعور المنبعث من داخله. دارت بعينيها في أرجاء وجهه وكأنها تراه لأول مرة، وآهة صامتة ترتفع منها، واندفعت من بعدها تطوقه بذراعيها، غيبت جسده النحيل بداخلها. طفح من عينيها نداء ملتهب في صوت يشبه الصراخ، تلاحقت أنفاسها في تهدج، وتلوت كالثور المذبوح، بينما تشاغل عنها بالنظر لوجه القمر المكتمل في صفحة السماء، البادي من فرجة في سقف الدار، وكأنه لا يعرف في الأرض غير بيتها.
أمطرتها بقبلاتها المحمومة، وأحكمت قبضتها وابتلعتها. كانت جدائلها السود المضيئة تحت خيوط القمر تغرقه تماماً، تضاعف تأوهها وعلا لهاثها، وهمست في أذنيه بكلمات غير مفهومة. وبعد فترة أخذت عيناها تترنحان وشفتاها تختلجان، ساد وجوم للحظات وقلبه يكاد ينخلع شفقة عليها، وقد خُيل إليه أن النار اندلعت فيها.
رويداً رويداً تراخت قبضتها عنه، سكنت ثورتها وانطفأ البركان. قالت بنبرة لا رنين فيها ولا حياة: "لا تخبر أحداً بما جرى". حدقت فيه بعينين حازمتين قبل أن تطفئ المصباح وتتمدد ساكنة فوق حشيتها، وطلبت منه أن يغادر وأن يغلق من خلفه الباب، عندها ارتسمت على قسماته صورة من الفرح، ليغادر وهو يمني نفسه بالعودة.







التعليقات