انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

النّص: أَقْسَى الفُولَاذِ لَا يُصْقَلُ إِلَّا بِأَشَدِّ النِّيرَانِ

مَنْدَاسْ غَرِيسِي
مَنْدَاسْ غَرِيسِي

شاعر وأديب جزائري

5 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
النّص: أَقْسَى الفُولَاذِ لَا يُصْقَلُ إِلَّا بِأَشَدِّ النِّيرَانِ
مشاركة:

لا أحدَ يرى النارَ التي مرَّ بها الفولاذُ حين يراه سيفًا لامعًا.

تصلُ العينُ إلى البريق، ولا تصلُ إلى اللهيب.
تلمسُ الصلابة، ولا تسمعُ صريرَ المعدن وهو يُنتزعُ من برودته، ويُلقى في جوف النار، ثم يُنتشلُ منها ليُطرقَ مرةً أخرى، كأنَّ للمطرقةِ موعدًا لا ينتهي مع مواضع ضعفه.

هكذا الإنسان.

يأتي إلى الحياة لينًا، ثم تتكفّل الأيامُ بالباقي.

ضربةٌ من هنا، وحرارةٌ من هناك، بابٌ يُغلق حين كان ينبغي أن يُفتح، ويدٌ تمتدُّ فلا تجدُ اليدَ التي انتظرتها، وأشياءُ نظنُّ أننا لن نستطيع العيشَ من دونها، ثم تمضي... ونمضي بعدها، على الرغم منّا.

وفي منتصف الطريق، نكتشف شيئًا لم نكن نعرفه:

أن الإنسان لا يعرف مقدار صلابته إلا حين تضطره الحياة إلى اختبارها.

الخمسينيُّ ليس رجلًا أضاف إلى عمره خمسين عامًا فحسب؛ بل رجلٌ أضافت الحياةُ إلى قلبه طبقاتٍ من الفهم.

لم تعد الأشياءُ تُدهشه كما كانت.

صار يعرف أن بعض الوجوه لا تُقرأ من ابتسامتها، وأن بعض الأبواب لا تُغلق لأننا أخطأنا الطريق، بل لأن الطريق نفسه لم يكن لنا.

تعلم أن الصمت ليس دائمًا عجزًا عن الكلام، وأن الابتعاد ليس دائمًا هروبًا، وأن التغاضي في بعض المعارك قد يكون أرفعَ من الانتصار.

في العشرين، كان يريد أن يُثبت للعالم أنه يستطيع.

وفي الثلاثين، كان يريد أن يصل.

وفي الأربعين، بدأ يسأل: إلى أين؟

أما في الخمسين، فقد تغيّر السؤال كله.

صار يسأل:

ما الذي يستحق أن أصل إليه؟

وهنا يبدأ النضج الحقيقي.

فالحياة لا تمنح الإنسان حكمتها دفعةً واحدة؛ إنها تنتزعها منه انتزاعًا.

تأخذ منه شيئًا ليعرف قيمة الباقي.
وتؤخر عنه شيئًا ليعرف معنى الصبر.
وتريه بعض الوجوه على حقيقتها، حتى لا يقضي ما تبقى من عمره مخدوعًا بملامحها.

وربما كان أقسى ما في الرحلة أن الإنسان لا يخرج منها كما دخل.

لكن ليس هذا هو المقصود؟

الفولاذ نفسه لا يبقى كما كان بعد النار.

النار لا تسأله إن كان مستعدًا.

تضعه في اختبارها، ثم تأتي المطرقة.
ضربةٌ تزيل نتوءًا، وضربةٌ تكشف عيبًا، وضربةٌ أخرى تمنحه شكلًا لم يكن يعرف أنه قادرٌ على بلوغه.

وهكذا فعلت الحياة بنا.

لم تكن كل ضربةٍ ظلمًا، وإن كانت مؤلمة.
ولم يكن كل فقدٍ نهايةً، وإن بدا كذلك في لحظته.
ولم تكن كل خيبةٍ خسارةً كاملة؛ فبعض الخيبات جاءت متأخرةً، لكنها جاءت في الوقت المناسب لتُنقذ ما تبقى من العمر.

لهذا لا ينبغي للخمسيني أن ينظر إلى ما مضى بعين الندم وحدها.

فبعض الجراح التي كان يتمنى لو لم تحدث، هي نفسها التي علّمته كيف يداوي غيره.

وبعض الطرق التي لم توصله إلى ما أراد، أوصلته إلى نفسه.

وبعض الذين غابوا عنه، تركوا في داخله حضورًا لا يغيب.

وبعض الأيام التي ظنها يومًا عبئًا، اكتشف بعد سنوات أنها كانت مدرسةً لا تُشترى.

في الخمسين، لا يعود الإنسان بحاجة إلى كثرة الشهود على حياته.

يكفيه أن يعرف أين كان، وما الذي صار إليه.

لا يحتاج إلى أن يشرح كل ندبة.

فالندوب لا تطلب شهادة ميلاد.

إنها تقول وحدها:

هنا مرّت النار.

وقد يكون أجمل ما يتعلمه الإنسان بعد نصف قرن أنه ليس مطالبًا بأن يربح كل شيء.

هناك معاركٌ يكون الانسحاب منها انتصارًا.

وهناك أشخاصٌ يكون نسيانهم رحمة.

وهناك أحلامٌ لا تموت، وإنما تتغير ملامحها حتى تصبح أكثر واقعية وأقل ضجيجًا.

الخمسينيُّ الذي صقلته الحياة لا يصبح أقسى بالضرورة؛ بل يصبح أقل قابليةً للكسر.

وهذه مسافةٌ كبيرة بين القسوة والصلابة.

القاسي لا يشعر.

أما الصلب، فيشعر... لكنه لا يسمح لكل ما يشعر به أن يهدمه.

يبكي، ثم يمسح أثر الدمع.

يتألم، ثم يتعلم.

يسقط، ثم يعرف كيف ينهض دون أن يصفق له أحد.

ويمضي.

ليس لأنه لم يعد يخاف، بل لأنه عرف أن الخوف لا ينبغي أن يكون قائدًا للعمر.

نصف قرن مضى.

ولم يبقَ من السنوات ما يكفي لتضييعها في إثبات ما لا يحتاج إلى إثبات.

صار الوقت أثمن من الخصومات، وأغلى من المجاملات، وأرفع من أن يُهدر في أبوابٍ لا تُفتح.

صار المرء يختار معاركه بعناية، وكلماته بحذر، ورفقته بوعي، وصمته بحكمة.

لقد علّمته النار أن بعض الأشياء لا تستحق أن يحترق من أجلها.

وأن أجمل انتصار قد يكون أن تخرج من الحريق دون أن تحمل الحريق في قلبك.

لهذا، حين ترى خمسينيًا هادئًا، لا تظن أن الحياة كانت معه رحيمة.

ربما كان الهدوء الذي تراه اليوم هو الأثر البعيد لعواصف لم يرها أحد.

وربما كانت تلك الابتسامة التي تبدو عابرة قد مرت قبلها سنواتٌ طويلة لم يكن فيها شيءٌ عابر.

وربما لم يصبح قويًا لأنه لم ينكسر يومًا...

بل لأنه انكسر بما يكفي، ثم أعاد جمع نفسه بطريقةٍ لم يعد معها الشيء القديم نفسه.

فالإنسان، مثل الفولاذ، لا يُقاس بما كان عليه قبل النار.

إنما يُقاس بما صار إليه بعدها.

وفي الخمسين، لا يكون العمر قد انتهى...

بل تكون قد انتهت أشياء كثيرة كان الإنسان يظن أنه لا يستطيع العيش دونها.

وينفتح أمامه ما هو أهدأ، وأعمق، وأصدق.

فإذا كان للشباب بريقه، فللنضج لمعانه الخاص.

وإذا كان للعمر عددُه، فللتجربة وزنها.

وإذا كانت النار قد تركت في الروح بعض الندوب، فقد تركت فيها أيضًا معدنًا لا يُرى بالعين.

أَقْسَى الفُولَاذِ لَا يُصْقَلُ إِلَّا بِأَشَدِّ النِّيرَانِ.

ولعل الخمسين ليست علامةً على أن الطريق شارف على النهاية...

بل الدليل على أن الذي يمشيه الآن، لم يعد هو الإنسان الذي بدأه.

مشاركة:

آخر تحديث: ١١ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:٠٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تضيق الأرض بالخطوات
ثقافة عربية

حين تضيق الأرض بالخطوات

حين تضيقُ الأرضُ بالخطوات قصيدة للشاعر حسن غريب أحمد أمشي، وفي صدري مواسمُ حيرةٍ وعلى كتفيَّ حقائبُ من أسى أمشي كأنَّ العمرَ نهرٌ ضلَّهُ مجرى، وكأنَّ الحلمَ أضناهُ الظما ما عادَ في وجهِ المرايا فرحةٌ إلا بقايا وجهِ أمٍّ تنتظرْ والليلُ يخلعُ عن نوافذِنا المنى ويُعيدُ ترتيبَ الخساراتِ الكُبَرْ يا هذه…

· 2 د
تراتيل الزمن الضائع
ثقافة عربية

تراتيل الزمن الضائع

قال لها ذات شتاء نلتقي قرب صخر الدهشة، نفتت عشب الضمائر الملحدة نتوحد في سر الماضي المنزوي في تراتيل الزمن المتسارع الضائع في ذؤابة الأيام قال لها كلام و اقترب من نهاية التخفي في صيرورة الزوايا ذهب يئن في مراجل الرزايا يصد ذئب الجوع عن صبايا احترفن عشق سحابة الزيتون يرتلن مع حصى الخنوع بتلة الذهاب…

· 5 د
الباص رقم «42»
ثقافة عربية

الباص رقم «42»

قصة قصيرة بقلم : هدى الهرمي ركبت ليلى الباص رقم «42» بصعوبة شديدة، وهي تتلمسّ لنفسها موطئ قدم بين الأجساد المتلاصقة، والأنفاس اللاهثة. امتزجت رائحة العرق بعطور متباينة، وتعالت أصوات متقطّعة من هنا وهناك، بينما كان مراقب التذاكر يشقّ طريقه بين الرُكّاب، مطالبًا كلّ واحد منهم بالاستظهار بتذكرته.…

· 4 د