انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المعلقات

حين تعلق حياة المواطن على حبال الانتظار

عبد الواحد منيصير
عبد الواحد منيصير

قاص وأديب مغربي

4 دقائق للقراءة
20 مشاهدة1 تعليق
المعلقات
مشاركة:

في مدخل المدينة، حيث تتعانق الحفر وتتناسل اللافتات الانتخابية، كان مقهى صغير يحمل اسم "المعلقات". لم يكن الاسم مستوحى من الشعر الجاهلي، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل من مصائر رواده الذين اعتادوا تعليق آمالهم على أبواب الإدارات، ثم العودة بها إلى بيوتهم مثقلة بالغبار.

كان الحاج العربي، صاحب المقهى، رجلا سبعينيا يؤمن بأن الزمن يدور، لكنه يدور في المكان نفسه. علق على الجدار نسخة قديمة من المعلقات العشر، تتوسطها لوحة باهتة كتب عليها بخط عريض: "من معلقة امرئ القيس إلى معلقات المواطن المنكوب. وكان كلما سأله أحد عن سر هذه العبارة، مسح شاربه الأبيض وقال:

— الشعراء الأقدمون علقوا قصائدهم على أستار الكعبة، ونحن نعلق ملفاتنا على أستار المكاتب. الفرق أن قصائدهم خلدت، وملفاتنا أكلها النسيان.

ضحك الزبائن، ثم عادوا إلى صمتهم المعتاد؛ فبعض النكات لا تضحك إلا لأن البكاء صار مكلفا.

في صباح يوم اثنين، دخل رضوان المقهى حاملا ملفا أزرق، بدا كأنه خرج لتوه من معركة خاسرة. كان شابا في الثلاثين، يحمل شهادة جامعية في الهندسة، وأحلاما صغيرة لا تتناسب مع ضخامة الشعارات التي سمعها منذ طفولته. جلس قرب النافذة، وضع الملف أمامه، وطلب براد شاي.

سأله الحاج العربي:

— هل وجدت عملا أخيرا؟

أجاب رضوان  وهو يقلب أوراقه:

— وجدت عملا في الانتظار. راتبه الشهري وعود، وتعويضاته وعود أخرى، أما الترسيم فمعلق إلى إشعار آخر.

تدخل رجل كان يجلس إلى جواره، يدعى السي مصطفى، موظفا متقاعدا قضى أربعين سنة بين المكاتب والطوابع والأختام.

— لا تتعجل يا بني. لقد انتظرت سبع سنوات حتى أسوي وضعيتي الإدارية، ثم انتظرت خمسا أخرى لأفهم لماذا تأخرت التسوية. وفي النهاية، اكتشفت أن الملف كان ينتظر توقيع رجل أحيل على التقاعد قبلي!

قهقه الحاج العربي، لكن رضوان لم يضحك. أخرج من جيبه ورقة مطوية، وراح يقرأ منها بصوت خافت: طلب شغل، طلب سكن، طلب دعم مشروع صغير، طلب موعد في المستشفى لوالدته. أربعة طلبات، أربعة أرقام، وأربع بوابات مفتوحة على المجهول.

قال:

— أفكر أحيانا في أن أكتب معلقة جديدة، أعلق فيها كل ما لم يتحقق. سأكتب عن المدرسة التي تخرج العاطلين، والمستشفى الذي يصف الانتظار علاجا، والطريق الذي ينتهي قبل أن يصل إلى القرية، وعن المسؤول الذي يظهر كل خمس سنوات، كأنه نجم مذنب، ثم يختفي في مجرة الامتيازات.

رفع السي مصطفى حاجبيه وقال:

— احذر يا ولدي! الشعر لا يغير الواقع.

رد رضوان:

— وربما كان الواقع قد تغير، لكننا لم ننتبه، لأننا ظللنا ننتظر من يغيره نيابة عنا.

ساد صمت قصير، قطعه صوت التلفاز المعلق في زاوية المقهى. كان مذيع الأخبار يتحدث بحماسة عن إطلاق برنامج جديد لتسريع الخدمات الإدارية، فيما ظهرت خلفه صور مسؤولين يبتسمون أمام لوحة إلكترونية ضخمة. وتحت الصورة، مر شريط صغير يقول: "المنصة متاحة ابتداء من اليوم".

أخرج رضوان هاتفه، فتح المنصة، وأدخل رقم ملفه. ظهرت رسالة ترحيب أنيقة، ثم دائرة زرقاء أخذت تدور، وتدور، وتدور. انتظر دقيقة، ثم دقيقتين، قبل أن تظهر عبارة مقتضبة: "طلبكم قيد المعالجة".

ابتسم ابتسامة غريبة، كمن عثر على دليل إدانة لا يحتاج إلى محام.

— أرأيتم؟ حتى الانتظار أصبح رقميا. لقد حدثوا الوسيلة، وتركوا المعلق كما هو.

نهض فجأة، تناول الملف الأزرق، ودفع ثمن الشاي. وقبل أن يغادر، توقف أمام الجدار حيث تتدلى المعلقات العشر، وأخرج قلما من جيبه. كتب على هامش ورقة بيضاء، ثم ألصقها تحت اللوحة القديمة:

"ألا أيها الليل الطويل، ألا انجلي... فقد طال انتظار المواطن، ولم يطلع الصباح".

قرأ الحاج العربي العبارة مرتين، ثم قال:

— وماذا ستفعل الآن؟

أجاب رضوان وهو يفتح الباب:

— سأذهب إلى الإدارة. هذه المرة، لن أذهب وحدي.

خرج إلى الشارع، حيث كان عشرات المواطنين يقفون أمام مبنى البلدية، يحملون ملفات بألوان مختلفة ووجوهاً تشبه بعضها في التعب. اقترب منهم، رفع ملفه الأزرق، وقال شيئا لم يسمعه الحاج العربي من خلف الزجاج.

 

لم يعرف إن كان الشاب يدعوهم إلى الاحتجاج، أم إلى تأسيس جمعية، أم إلى مجرد تنظيم صفوفهم كي لا يبتلع الانتظار أسماءهم واحدا واحدا.

 

لكن الحاج العربي رأى شيئا آخر: رجلا كان يقف في آخر الصف طوى جريدته، وامرأة أغلقت حقيبتها، وشيخا اتكأ على عصاه ثم تقدم خطوة. خطوة واحدة فقط، لكنها بدت، من خلف زجاج المقهى، أطول من قرون الانتظار.

في تلك اللحظة، انقطعت الكهرباء عن شاشة التلفاز، وغرقت المقهى في صمت مفاجئ. رفع الحاج العربي رأسه نحو المعلقات القديمة، ثم نظر إلى الورقة الجديدة تحتها.

كان يعرف أن القصائد قد تعيش ألف عام، وأن الملفات قد تضيع في يوم واحد. لكنه لم يكن يعرف أيهما سيكتب له البقاء هذه المرة: معلقة رضوان، أم صمته.

أما أمام البلدية، فقد بدأ الصف يتحرك ببطء، ولم يكن الباب قد فتح بعد.

وللمرة الأولى، لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين: هل كانوا ينتظرون أن يفتح الباب، أم أنهم بدأوا يفكرون فيمن يملك حق إغلاقه؟

مشاركة:

آخر تحديث: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قيد الدراسة
ثقافة عربية

قيد الدراسة

كان مصطفى يعرف المطر من رائحته قبل أن تمسّ السماءُ الأرض. في العاشرة من عمره، في حيٍّ أسفل الطريق نسيته الخرائط عند طرفها، تعلّم أن للتراب في أول الخريف نَفَساً حاداً كطعم قطعة نقدٍ على اللسان. يشمّه أبوه سالم يترك الشاي الأحمر يبرد في الكأس ويحدّق في آخر الزقاق، حيث ينفتح في الرصيف مصرفٌ مسدود بما…

· 5 د
صوت الصمت
ثقافة عربية

صوت الصمت

صوت الصمت قصة قصيرة يستلقي فوق سريره كجثةٍ نسيتها الحرب، يحدق في سقف الغرفة الذي بات مرآةً لخواء روحه. لم يكن السرير مجرد خشبٍ ومرتبة، بل كان زاويةً منسية في قبو العالم، وكانت عيناه مسمرتين في تشققات الطلاء التي بدت له كشروخٍ في كيانه توقف عن ترميمها منذ زمن. في الخارج، لم يكن المطر يطرق النافذة،…

· 4 د
سأترك السفينة
ثقافة عربية

سأترك السفينة

ليس تقدما في العمر ولا خوفا من المغامرة بل إن تكرار الحروب مجددا يعيدنا الى إلى نفس الصفر لأننا لا نجد مغارة ولا كنز لا نجد امرأة جميلة ولا خاتم سليمان لا نجد الوحش ولا الجرذان نجد فقط كلابا ميتة والماء عطشان ليس برودا عاطفيا أو نقصان في الحماسة ولا خوفا من الأسر بل إن العالم أفرغ وأصبح خاليا ففي…

· 1 د