انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المصباح

محمد محمود غديه
محمد محمود غديه

قاص وأديب مصري

3 دقائق للقراءة
1 مشاهدة
المصباح
مشاركة:

​إبتسامتها تسقي جفاف الروح، وسكرها «زيادة» يتحاشاها مرضى السكر، والصبح يستمد من وجهها الإشراق والضياء. غمرت كل من حولها بالحنان، وغرست الزهور في أرض لا ينفع فيها الزرع، فأينعت وأزهرت. لها قدرة مدهشة على امتصاص التعب والقلق، والربت بحنو بالغ على المشاعر؛ يغالب دمعة حبيسة أصرت على السقوط.

في غيابها زحفت الظلمة وتمددت واكتسحت الروح، يشعر بتعاسة لا حد لها، لم يعد يرى في عينيها بحارًا من اللؤلؤ، وشموسًا من الدفء، يتلفت حوله يلمس جفاف الأشياء بجانبه.

​هو أكبر الأبناء والأكثر التصاقًا بحضنها؛ كان حين يبلله المطر، يلجأ إلى الاختفاء تحت معطفها، تربت عليه وتهدهده بين ارتعاش الشفاه واصطكاك الأسنان، لا يخلد إلى النوم إلا إذا أمدته بالدفء. ما الذي يجعل الحزن عاجزًا عن الرحيل؟ لا شيء سوى بضع آيات يحفظها عن ظهر قلب، تهدئ من روع الغياب.

عطرها الممزوج بالزعتر والمسك يخترق كل ما يلقاه ويصرعه، مشوق للدفء من كفيها، وللضياء من عينيها؛ كيف تقنع روحًا بالعودة بعد رحيلها؟

​مارست الموت وحدها، دون أن تشرك أحدًا معها. عام كامل وبضعة شهور وهي تتوجع وتتألم وتنتحب في صمت. قالت للأولاد: إنها وجدت عملاً يتناسب مع خبرتها في الترجمة لشغل الفراغ الذي تعيشه بعد رحيل زوجها. تستقبل الحياة بروح طيبة مرحة، تحرص كل الحرص ألا تدمع عيناها حتى لا يراها الأبناء في انكسارها، وهي التي منحتهم الأجنحة القوية المعينة على التحليق. يموت منها جزء كل يوم؛ كل شيء من حولها باهت تحيط به هالة من ضباب مصغر منذ أن تسلل إليها ذلك المرض البغيض الذي لا شفاء منه. اخترعت العمل الذي لا وجود له، حتى لا يسأل الأولاد: أين تذهب كل صباح؟

​تتمدد على سرير الوجع في المستشفى، تأخذ جرعة الكيماوي التي تمنحها بعض حياة. سقط منها الشعر الذي أخفته خلف باروكة الشعر المستعار، والتي لا تعوض أبدًا الفقد. لم تمتد يدها لنقود الأولاد التي تركها الزوج بعد رحيله وصانت الأمانة؛ باعت الخاتم وأساور الذهب والعقد، هدية عيد زواجها، واستبدلتهم بذهب صيني رخيص، حتى لا يستشعر الأبناء غياب الذهب. تضع على وجهها كمية من المساحيق لتخفي شحوب الوجه؛ يخذلها الموت ولا يأتي سريعًا كما تتمنى.. هي أشياء لا يدركها المرء.

​تفرد أجنحتها، تأخذ الأبناء والأحفاد في حضنها، ترتاح لدفء مشاعرهم، وتكبح دموعها؛ كيف لروح نابضة أن تمارس الموت؟ لديها طاقة من الصبر والتجلد لا يقدر عليها أحد. سنوات عمرها يسقطها المرض كأوراق خريف ذابل، رائحة ضفائرها موغلة بذاكرة الأبناء، لم تقدر الجدران الصماء وصرير أبوابها الموصدة على حجب تقاسيم وجهها، وهي المضيئة والبارعة والنبيلة والأصيلة، حتى وهي تموت.

​تركت أرقام الهاتف ووصية أودعتها أمانات المستشفى، تعتذر فيها عما أصابها من مرض، واختراعها عملاً لا وجود له لتجد مبررًا للذهاب كل يوم إلى المستشفى.

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

أسئلة الصمت
ثقافة عربية

أسئلة الصمت

لِمنْ سأعزفُ ما دامَ الوجودُ صدى ونايُ صدري جراحٌ واللّحونُ سُدى لِمنْ سأُطلقُ صوتي هل يجاوبني سوى الفراغِ وصخرٍ في العراءِ بَدا لِمنْ سأبكي جحيمَ اللّيلِ في لُـغتيْ ونبرتي غُصّةٌ تبحثْ لها سَنَدا؟! لِمنْ سأُشرِعُ أبوابي وما بَقِيَتْ خُطىً تسيرُ، ولا طيفٌ هُنا وَفَدا لِمنْ سأُوقدُ أحلامي وريحُ غَدي…

· 3 د
معطف معلق على حافة الظل
ثقافة عربية

معطف معلق على حافة الظل

كان مصطفى يعلق معطفه الرمادي على المشجب خلف الباب بطريقة واحدة لا تتغير: الجيب الأيمن إلى الخارج دائماً، وفيه علبة كبريت صغيرة لم يسأله أيوب عنها إلا مرة واحدة. ضحك مصطفى يومها وهو يربت على الجيب: هذه لا تُشعل إلا عند الضرورة القصوى. النار لا تشعل نفسها، يا أيوب. ولا الانتظار كذلك. ثم غير الحديث،…

· 2 د
صفحة ممزقة من كتاب
ثقافة عربية

صفحة ممزقة من كتاب

1 آه لو يدري كتف المار بجواري حين بث للنهد الشوق ماتركه في ساحة الحرمان يشتكي الفقد 2 ياه لكعبها كل هذا البياض فكيف لحال المخبوء مابين و لم يبصر الشمس أبدا مخافة أن …………….؟ فيا ريح البوح هلمي غافلي الكفين وأتيني بالخبر 3 هي تعشقه هو متيم بالشيكولاتة فكيف ياربي للعاشقين أن يجتمعا عند نقطة اليقين…

· 1 د