إبتسامتها تسقي جفاف الروح، وسكرها «زيادة» يتحاشاها مرضى السكر، والصبح يستمد من وجهها الإشراق والضياء. غمرت كل من حولها بالحنان، وغرست الزهور في أرض لا ينفع فيها الزرع، فأينعت وأزهرت. لها قدرة مدهشة على امتصاص التعب والقلق، والربت بحنو بالغ على المشاعر؛ يغالب دمعة حبيسة أصرت على السقوط.
في غيابها زحفت الظلمة وتمددت واكتسحت الروح، يشعر بتعاسة لا حد لها، لم يعد يرى في عينيها بحارًا من اللؤلؤ، وشموسًا من الدفء، يتلفت حوله يلمس جفاف الأشياء بجانبه.
هو أكبر الأبناء والأكثر التصاقًا بحضنها؛ كان حين يبلله المطر، يلجأ إلى الاختفاء تحت معطفها، تربت عليه وتهدهده بين ارتعاش الشفاه واصطكاك الأسنان، لا يخلد إلى النوم إلا إذا أمدته بالدفء. ما الذي يجعل الحزن عاجزًا عن الرحيل؟ لا شيء سوى بضع آيات يحفظها عن ظهر قلب، تهدئ من روع الغياب.
عطرها الممزوج بالزعتر والمسك يخترق كل ما يلقاه ويصرعه، مشوق للدفء من كفيها، وللضياء من عينيها؛ كيف تقنع روحًا بالعودة بعد رحيلها؟
مارست الموت وحدها، دون أن تشرك أحدًا معها. عام كامل وبضعة شهور وهي تتوجع وتتألم وتنتحب في صمت. قالت للأولاد: إنها وجدت عملاً يتناسب مع خبرتها في الترجمة لشغل الفراغ الذي تعيشه بعد رحيل زوجها. تستقبل الحياة بروح طيبة مرحة، تحرص كل الحرص ألا تدمع عيناها حتى لا يراها الأبناء في انكسارها، وهي التي منحتهم الأجنحة القوية المعينة على التحليق. يموت منها جزء كل يوم؛ كل شيء من حولها باهت تحيط به هالة من ضباب مصغر منذ أن تسلل إليها ذلك المرض البغيض الذي لا شفاء منه. اخترعت العمل الذي لا وجود له، حتى لا يسأل الأولاد: أين تذهب كل صباح؟
تتمدد على سرير الوجع في المستشفى، تأخذ جرعة الكيماوي التي تمنحها بعض حياة. سقط منها الشعر الذي أخفته خلف باروكة الشعر المستعار، والتي لا تعوض أبدًا الفقد. لم تمتد يدها لنقود الأولاد التي تركها الزوج بعد رحيله وصانت الأمانة؛ باعت الخاتم وأساور الذهب والعقد، هدية عيد زواجها، واستبدلتهم بذهب صيني رخيص، حتى لا يستشعر الأبناء غياب الذهب. تضع على وجهها كمية من المساحيق لتخفي شحوب الوجه؛ يخذلها الموت ولا يأتي سريعًا كما تتمنى.. هي أشياء لا يدركها المرء.
تفرد أجنحتها، تأخذ الأبناء والأحفاد في حضنها، ترتاح لدفء مشاعرهم، وتكبح دموعها؛ كيف لروح نابضة أن تمارس الموت؟ لديها طاقة من الصبر والتجلد لا يقدر عليها أحد. سنوات عمرها يسقطها المرض كأوراق خريف ذابل، رائحة ضفائرها موغلة بذاكرة الأبناء، لم تقدر الجدران الصماء وصرير أبوابها الموصدة على حجب تقاسيم وجهها، وهي المضيئة والبارعة والنبيلة والأصيلة، حتى وهي تموت.
تركت أرقام الهاتف ووصية أودعتها أمانات المستشفى، تعتذر فيها عما أصابها من مرض، واختراعها عملاً لا وجود له لتجد مبررًا للذهاب كل يوم إلى المستشفى.







التعليقات