انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

القانون الأول

إيمان ماجد
إيمان ماجد

قاصة وأديبة مصرية

2 دقائق للقراءة
28 مشاهدة
القانون الأول
مشاركة:

خمسةَ عشرَ عاماً في هذا الممر الأبيض الكالح، كانت كافيةً لتجعل "سميرة" تشمّ المرض قبل أن تراه، تحفظ أسماء الأدوية وتداخلاتها عن ظهر قلب، تقرأ تخطيط القلب كما تقرأ أسماء أبنائها، وتعرف أين يختبئ الموتُ في الأشعة قبل أن ينطق به الطبيب. لكنها تعلم أيضًا القانون الأول للجمهورية الضيقة التي تعمل بها، أن الممرضة أذنٌ وعين فقط بلا لسان.

في تلك الليلة، كان الطبيب المناوب يندفع بقلة صبرٍ بين الأسرّة. ألقى نظرةً خاطفة على الملف الملقى فوق بطن المريض، زجر بصوتٍ حاد، ثم خطّ بقلمه بضع كلماتٍ سريعة على "روشتة" العلاج قبل أن يلقيها على الطاولة ويمضي.

التقطت الممرضة "الروشتة". مضاد تخثّر فوق مسكن؛ قارنت العقار  بأدوية المريض المسجلة في ملفه.. تجمّد إبهامها على الورقة؛ عقاران يُمنع امتزاجهما في دم كبار السن.. تجلطٌ مؤكد خلال ساعات.

تطلّعت نحو المريض؛ رجلٌ ستيني غارقٌ في عرقه، يلهث بوهن وتتعلق عيناه الغائرتان بملابسها البيضاء كمن يتشبث بقشة. بلعت ريقها. التفتت نحو مكتب الطبيب؛ كان يجلسُ مولّيًا ظهرَه، يرتشف قهوته ويقلب في هاتفه بنزق.

خطت خطوةً نحو المكتب. فتحت فمها، لكن صوت شتائمه الماضية للممرضين الذين يتطاولون بالتعديل عليه طنَّ في أذنها. تذكرت تقديراتها القديمة في كلية الطب، العام المتبقي الذي تعثرت فيه بعد وفاة والدها، وضياع الحلم الذي هبط بها إلى درك هذه الإنسانة. نظرت حولها.. لا صيدلي، لا رئيسَ للقسم، ولا يوجد سواهما في وردية الليل، لو أنها اعترضت الآن، ستُتهم بالادعاء، وربما قُطع عيشها الذي تعيل به بيتها.

تراجعت خطوتين. أفرغت العقار في الوريد بآليةٍ صامتة.. وغطت المريض بملاءته مولّيةً ظهرها.

مع أول شعاع لشروق الشمس، حذفت رقمه من اللوح قبل أن يفرغ السرير.

عادت إلى شقتها الصامتة. خلعت حذاءها عند الباب، ورائحة الكحول تنبعث من ثيابها ويديها، مشت كعادتها نحو الحمام.. قربت يدها من أنفها، فشعرت أن رائحة الدواء الأخير يثتثير حاسة الشم برعونة، حتى بعد غسل يديها بالصابون عدة مرات.

حدّقت في الصورة المنعكسة أمامها في المرآة طويلاً. حاولت أن تفتش في الملامح عن موضع الغضب؛ هل هي غاضبةٌ من الفقر الذي حرمها من مقعد الطبيب؟ أم من الذنب الأبكم الذي جعلها شريكةً في إزهاق روح؟

لم تلمح في المرآة ولا في عينيها جواباً.. ضربت وجهها بحفناتٍ متلاحقة من الماء.. ثم تطلّعت مرة أخيرة في انعكاسها، واستدارت وهي تعلمُ تماماً ما تنتوي فعله.

مشت بخطواتٍ ثقيلة ومحسوبة نحو غرفة نومها، فتحت خزانة الملابس بحسم، أخرجت ملابس نومها الفضفاضة، ارتدتها.. ضبطت المنبّه على السادسة، للحاق بورديتها، وأوَت إلى الفراش.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٤ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قيد الدراسة
ثقافة عربية

قيد الدراسة

كان مصطفى يعرف المطر من رائحته قبل أن تمسّ السماءُ الأرض. في العاشرة من عمره، في حيٍّ أسفل الطريق نسيته الخرائط عند طرفها، تعلّم أن للتراب في أول الخريف نَفَساً حاداً كطعم قطعة نقدٍ على اللسان. يشمّه أبوه سالم يترك الشاي الأحمر يبرد في الكأس ويحدّق في آخر الزقاق، حيث ينفتح في الرصيف مصرفٌ مسدود بما…

· 5 د
سأترك السفينة
ثقافة عربية

سأترك السفينة

ليس تقدما في العمر ولا خوفا من المغامرة بل إن تكرار الحروب مجددا يعيدنا الى إلى نفس الصفر لأننا لا نجد مغارة ولا كنز لا نجد امرأة جميلة ولا خاتم سليمان لا نجد الوحش ولا الجرذان نجد فقط كلابا ميتة والماء عطشان ليس برودا عاطفيا أو نقصان في الحماسة ولا خوفا من الأسر بل إن العالم أفرغ وأصبح خاليا ففي…

· 1 د
صوت الصمت
ثقافة عربية

صوت الصمت

صوت الصمت قصة قصيرة يستلقي فوق سريره كجثةٍ نسيتها الحرب، يحدق في سقف الغرفة الذي بات مرآةً لخواء روحه. لم يكن السرير مجرد خشبٍ ومرتبة، بل كان زاويةً منسية في قبو العالم، وكانت عيناه مسمرتين في تشققات الطلاء التي بدت له كشروخٍ في كيانه توقف عن ترميمها منذ زمن. في الخارج، لم يكن المطر يطرق النافذة،…

· 4 د