هذا اليوم لم يكن يوماً عادياً، أنتظرُ بشغف العشاق الساحرة المستديرة والحدث التاريخي بين أحفاد الفراعنة وراقصي التانغو، الجماهير الغفيرة شرعت في الزحف بعد التشبُّع من نفحات يوم الجمعة التاريخيّ، لقد تناولوا ما يسدّ رمق جوعهم بالكاد وانطلقوا يمتشقون أعلام وألوية لتشجيع الفريق الذي أملنا الكثير من الانجازات غير المسبوقة بالوصول إلى دور السادس عشر من المنافسات بكأس العالم، يالها من حظوة واجبة الاحتفاء والمؤازرة!
عندما يتعلق الأمر بالمحروسة، يتضوَّع الجميع بالزود عن حياض أغلى الأسماء، هكذا – وقفتُ ساهماً أراقب تلك التظاهرة والالتفاف على الرغم من وعثاء الأسفار ومغبة الطقس الحار، لكنني لم أكن أتماهى مع قمّة الحدث المنتظر، شاغلٌ ما يستحوذ على لجة افكاري المتلاطمة كسيمفونية معزوفة سريان النيل بالجوار، هناك تطلُّ جدائل الذكريات على شفير أوجاع تنذر بأنني سأراها قريباً جداً، نضّدتُ الهاتف على طاولة خاوية تنتظر بعض الطلبات الملحة لدعم مشرفي المقهى من الكادحين، ناديت على النادل أملاً في الحصول على مشروبها المفضل وهي تلك النعنانة بنكهة الفانيليا بالكريمة، أخبرتني بأنها لمست تراب بلدي وتقوم بجولة عند سفح الأهرامات والمتحف، حلمٌ جميل يراودني لما سألتني في الذهاب معاً لمعرض الاسكندرية قريباً وزيارة المرسي أبو العباس والقلعة، بسمةٌ عاندت ثغري لما عاتبتها قائلاً: "أما وقَد نسيت الورقاء البيضاء وخاصّتي السمراء كصويحب لصيقٍ لنا نطلق سراحهما عند فنار اللسان برأس البرّ، أمْ تلك السنارة التي اصطدنا بها معاً أول سمكة بلطي من بلدتي؟" وكأنها مازالت تواقة إلى شاطئ أبوللو وبئر مسعود وتغافلت عن موائل خِلها الوفيّ!
شريطٌ يتراءى بخطى تنتهبُ وتلهثُ لتلحق بصافرة البداية، تهالني رسائل الواتساب منها وأنا حائرٌ كدودة القز التي ربيناها معاً بحاوية الورق المُقوى وهي تعاند التحول إلى فراشة تزدهي بألوانها والدواجن الطليقة التي تقاسمناها الموسومة بأخداننا بالمدرسة بأحايين المطاردة، خافقي يتسارع على غير هدى ومازال عبقها يخالل مهجتي حتى صادفتُ أول قُبلة على استحياء؛ الاتئاد الاتئاد! لقد امتزجت حمرة وجنتي مع إحراز الهدف الأول لمنتخبنا الأسطوري، مرحى!
شعور عارم بنجمات السعادة تلوح الأمل فتحنو الشمس وينبعثُ قمرٌ دريٌ يدوي في ربوع الكوكب، أفراحٌ استحالت ذرا شواهق الفضاء حتى رقص المعدنيُّ ذو التفاحة المقصُوفة وتناهت أسماعي لنبراتها بأنها تدنو من مرابضي، رديفٌ أنا للنحس كما نعتني الجميع ولكن يبدو بأن سوء الطالع قد فات أوانه وذهب في مهب الريح، ما عاد سوى البشارات وصيحة تنفجر بأننا سادة هذا العالم وسنعيد الأمجاد التي ضل سعيها عقوداً.
هيمنَت تلك الحاضنة الملأى ببيادر طامحٍ قاب قوسين أو أدني من معجزة بكل المقاييس، أنظر للاعب رقم 10 المعروف بأنه حطم كل الأرقام القياسية، ربما انتابته لوثة حتى ضجَّ من الخيبة والخسران وتمادى في انفاعالاته غير المبررة، دقائق معدودة ويتحفنا الأحمر بالقذيفة الثانية، لا أدري بعدها أيناهُ هاتفي أو مقعدي، الجحافل تطير وتجيشُ الضحكات المبثوثة وكأن زلزال جارف قد ضرب الأنحاء، وجدتُّ ضالتي مسجية تلفظ أنفاسها الأخيرة وترواغ الإغلاق.
شيطانةُ مآربي تتوحَّد مع لياقتي التعليمية بمنأى عن إحباطات الاجتماعية؛ الطبيبة العالمية ذائعة الصيت أنذاك سليلة حسب ونسب وهي إبنة خالتي وربيبة أمي الرؤوم في ربيع الورد المتبرعم، كنا صنوان يومذاك ولكننا الآن كإنجي بنت الأكابر وعلي ابن الجنايني، شتان وحاشا بين ما كان وأرض الواقع فيما عدا بصيص أمل أحترق انتظاراََ لأسمعه من صديقي الباحث بالجامعة ليعلمني بقبول بعثتي إلى بلاد اغترابها حيث أتتنا.
المباراة حامية الوطيس وملامح تواطؤ ومؤامرة تئنُّ من زيف تحكيم جائر يهيل علينا بالوعيد ويتغافل عن عنف الخِصم، شارات مناهضة تعلو على حدود الملعب من المدرب الوطني والمشاهدين عن كثب للتطورات، (تباََ للمعزَة!!) أحرز أولهم، صافرة استهجان تصطك لها الآذان وأنا كمدمن لهيبة يخشى فخاخ التعادُل، التكافؤ الذي أُمَني به نفسي وأتفرس جرساََ يَطنُّ برسالة تفضح المستور وتميط اللثام عن الطامة الكبرى —إنه هو؛ غريمُ الحارة القديمة المفتول الذي كان يشاطرنا بريق عينٍ تجاه المرجوَّه، يهاتفني من حينٍ لآخر ويدرك بأنه الأجدر والأفضل بعدما نال وظيفة مرموقة وترأس دائرة محليات ككبير المهندسين في ضواحي عروس المتوسط، يبدو أنه يتباهى أمامي بأنه على مقربةِ شبرٍ من وصول جنته الموعوده ليلتحم وينصهر برباط مقدس، لم ينبئني عن هُويتها، فقط تلألأ لمقلتي إلغاء هدف مجحف لفريقنا الأول الذي كان يهيمن كالليث الغضنفري يلملم الضباع ويجبُّهم في عرين غابَته الوارفة، صدمةََ فارتباك معَ تخبُّط الأذهان، تشير ساعة الحسم الدقيقة ثمانين وَمن ثمََّ هدف للأزرق الذي يتعاظم فوق قوانين اللعبة بلاعب إضافي وهو الحكَم.
تنبري سيارة فارهة أعرفها تماماََ واثنين كالعصافير جنباََ إلى جنب يتوسدان الكراسي الأمامية، وأنا في مكمني كمَداََ اتشبثُ بمِقود الحسرة أتوارى لأنني بتُّ على دراية بأنَّ المستحيلات الثلاث التي أدركها وهي الغول والعنقاء والخلُّ الوفيُّ زادت واحدة ألا وهي— وهمُ الحبّ وأناهيد العشاق!
ينسحب المضمار ويبكي اللاعبون وأغيب مع غروب قميء لهلال مع رسالةٍ أخيرة: (حظّ موفق في المرة القادمة لطلب البعثَة يا صديقي يكفيك شرَف المحاولة!)







التعليقات