يقول أبو حمدان:
تنقلت بين بلدان وعواصم كثيرة، وكانت أكبر مصيبة في حياتي أنني لا أعرف كيف أتكلم. أبتلع ما أشعر به كما يبتلع المرء حبة دواء مرة، وأرى الأخطاء تمر أمامي كما تمر القطارات، فأدعها تمر، ثم أعود إلى بيتي مختنقا بها. أما إذا قررت أن أتكلم، فلا أحد يريد أن يسمعني.
ولا أعرف السبب.
أظنه لأنني، لسوء حظي، لا أجيد الكذب.
وذات يوم قلت في نفسي: بما أن الناس لا يحتملون كلامي وأنا عاقل، فلأجرب أن أصير مجنونا، فربما أعيش مرتاح البال.
ارتديت ثيابا رثة، ولففت شماغا ممزقا على رأسي بطريقة لا يرضى عنها حتى راعي غنم. وانتعلت حذاءين لا يعرف أحدهما الآخر؛ فردة أكبر من الثانية، ولونها مختلف، أما الفردة اليمنى فكانت ممزقة من الأمام، حتى إن أصابع قدمي كانت تخرج منها تستنشق الهواء. وإذا تعرقت قدمي، أصدر الحذاء أصواتا محرجة، حتى كنت أخجل من حذائي أحيانا.
وصرت أمشي بين القرى.
كل من يراني يوقن أنني بهلول.
الأطفال يرمونني بالحجارة، وأنا أضحك في سري، لأن الحجر الذي يقذفه طفل أهون عندي من كلمة يقذفها رجل يظن نفسه حكيما.
أما الذين يعرفونني، فكانوا يهزون رؤوسهم ويقولون:
"شفاه الله."
ثم يبدأ مجلس التشخيص.
واحد يقول:
"يجب أن نرسله إلى البيمارستان."
فيرد الثاني:
"وأين البيمارستان؟ لقد أغلق منذ الحرب."
ويقول الثالث:
"إذن يحتاج طبيبا نفسيا."
فيرد الرابع:
"الأطباء هاجروا."
ويقول الخامس:
"إذن يحتاج دواء."
فيجيبه آخر:
"حتى الدواء صار أعز من الذهب."
ثم ينصرف الجميع وهم راضون عن أنفسهم، لأنهم ناقشوا مرضي من جميع الجوانب، ولم يكلف أحد منهم نفسه أن يسألني إن كنت مريضا أصلا.
وفي يوم قائظ، سمعت أن أخا صديق لي قد توفي.
قلت: سأذهب لأقدم واجب العزاء. فالميت لا ذنب له بما يفعله الأحياء.
دخلت بيت الشعر، وألقيت السلام.
لم يرد أحد.
نظروا إلي كأنني دخلت مجلسهم ومعي وباء معديا.
وبدأ الهمس:
"من هذا الأبله؟"
وقال آخر:
"يبدو أنه درويش."
وقال ثالث:
"لا بد أنه جاء ليظفر بقطعة اللحم."
وللإنصاف، لم يكن اتهامهم بعيدا عن المنطق؛ ففي نظر كثير من الناس، الدرويش لا يفرق بين العزاء والعرس، فالمهم أن يجد لقمة تسد جوعه.
جلست قرب الباب، بجوار الأحذية.
وأقسم لكم أن الأحذية كانت أكثر أدبا من بعض أصحابها.
كان أمامي خمسة شبان، لكل واحد منهم لحية تكفي لصنع مكنسة، وكرش يكفي لإطعام أسرة صغيرة، وشعر كثيف يوحي بأن الماء أعلن مقاطعته لهم منذ سنوات.
وكان أحدهم يخطب في الدين والعلم بثقة جعلتني أعتقد أن الحقيقة تقف خلفه وتهز رأسها موافقة.
ولا أدري لماذا خانتني نفسي الأمارة بالسوء .
رفعت رأسي وقلت بهدوء:
"ابن رشد يقول..."
ولم أكمل.
قفز الرجل من مكانه وكأنني ذكرت اسم الشيطان.
وصاح:
"ويحك! أتستشهد بابن رشد؟ ذلك الذي يقدم العقل على النقل؟ أيها الزنديق! أيها الملحد! أيها الكافر!"
وفي لحظة، نهض الأربعة الآخرون، وثنوا ركبهم استعدادا للانقضاض علي، وكأنهم وجدوا أخطر مجرم في التاريخ.
ساد الصمت في بيت الشعر.
حتى الذباب توقف عن الطيران.
وفي اللحظة التي أيقنت فيها أنني سأغادر العزاء إلى المقبرة مباشرة، تدخل صاحب العزاء.
رفع يده وقال:
"مهلا يا شيوخنا الأفاضل..."
فسكتوا.
قال لهم:
"الرجل مجنون. كان في مستشفى المجانين منذ بضعة شهور ، وطردته زوجته، وتخلى عنه أولاده، وهو يهرف بما لا يعرف."
يا للعجب!
قبل دقيقة كنت زنديقا يجب التخلص منه.
وبعد دقيقة أصبحت مسكينا يستحق الشفقة.
اقترب مني صاحب العزاء وربت على كتفي وقال:
"تعال يا درويش، خذ قطعة لحم ورغيف خبز، وكل، ثم اذهب في سبيل الله."
أخذت الطعام، وشكرته، وخرجت.
فلحق بي خارج بيت الشعر، وقال وهو يبتسم:
"لقد خلصتك هذه المرة. لكن إياك أن تكررها. وإذا التقينا مرة أخرى، فماذا ستعطيني مكافأة؟"
ابتسم أبو حمدان وقال :
"سأهديك كتابا."
قال:
"أي كتاب؟"
قلت:
"كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال لابن رشد."
ظل ينظر إلي برهة، ثم تنهد وقال:
"اذهب يا أبا حمدان... واحمد الله أن الناس يظنونك مجنونا، لأنهم لو عرفوا أنك عاقل، لما خرجت من هذا المجلس إلا محمولا على الأكتاف... ولكن ليس كما يحمل الضيوف."







التعليقات