انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الباص رقم «42»

هدى الهرمي
هدى الهرمي

قاصة وأديبة تونسية

4 دقائق للقراءة
2 مشاهدة
الباص رقم «42»
مشاركة:

ركبت ليلى الباص رقم «42» بصعوبة شديدة، وهي تتلمسّ لنفسها موطئ قدم بين الأجساد المتلاصقة، والأنفاس  اللاهثة. امتزجت رائحة العرق بعطور متباينة، وتعالت أصوات متقطّعة من هنا وهناك، بينما كان مراقب التذاكر يشقّ طريقه بين الرُكّاب، مطالبًا كلّ واحد منهم بالاستظهار بتذكرته.

توقفت ليلى لإستعادة أنفاسها، قبل أن تلمح المقعد الأخير وقد خلا لتوّه من مراقب التذاكر. اتجهّت نحوه سريعًا وكأنها عثرت أخيرًا على ملاذ آمن بمنأى عن الزّحام وتدافع الأجسام البشرية بمختلف أحجامها.

 قطع الباص المتجه نحو المنطقة الصناعية "ج" مسافة ليست بالقصيرة، لكن سرعان ما توقّف فجأة بجانب الطريق بسبب حادث مروري، ممّا أحدث ضوضاء عارمة اختلطت بأبواق السيارات وحشرجة المُحرّكات، فاضطرّ السائق إلى فتح الأبواب الأمامية والخلفيّة مع تصاعد تذمّر الركاب ممّا تسبّب في حالة هلع وفوضى.

تململت ليلى في مقعدها وهي تراقب ما يجري، وراحت تتلفّت حولها دون أن تدري ما يجب فعله. كان الوضع المفاجئ قد زاد من شعورها بالاختناق داخل الباص، وكأنّ جرعات الأكسيحين بدأت تتقلّص رويدا رويدا. كانت تحاول صرف توترّها بتكتكة أصابعها، ثمّ انتبهت فجأة إلى نظرات ترمقها من الجهة المقابلة.

إنه كهل أنيق يجلس في المقعد الواقع مباشرة خلف السائق. لم يتحرّك قيد أنملة رغم الفوضى العارمة. كان يرتدي سترة سوداء فوق قميص أبيض ناصع، وسروال جينز وحذاء رياضي، وهي هيئة بدت غريبة بعض الشيء على وقاره. كانت عيناه واسعتين على نحو لافت، تحملان شيئًا من الترحيب المقلق، وفي الوقت نفسه شيئًا يبعث على الخوف، وكأنهما تعرفان عنها أكثر ممّا ينبغي.

لم تجده جذابًا، وخمّنت أنه في أواخر الخمسينات من عمره. كما لاحظت أنه يحمل حقيبة جلدية مهترئة، برزت من خلالها بعض الكتب.

لم تكن لديها أدنى فكرة عمّا يمكن أن تفعله لتفادي نظراته المتطّفلة. أدارت رأسها قليلًا نحو النافذة وفتحتها بحذر، فامتلأت أذناها بضجيج سائقي العربات الغاضبين بسبب تكدّس الحواجز المروريّة.

رغم ذلك، كان لدى ليلى متّسع من الوقت للتفكير في أمر الرجل الغريب، وتقلصّ الإحباط الذي كانت تشعر به بسبب تأخّرها عن العمل وما يتبعه من تأنيب ولفت نظر من طرف مديرها. لقد تذكّرت أنها رأته أكثر من مرّة امام واجهة إحدى المكتبات التي كانت ترتادها في أوقات الفراغ.

لم تكن متأكدة من ذلك تمامًا، لكنها شعرت أنها لمحته من قبل أو أنه اعترض سبيلها دون أن تتفطّن إلى مطاردته لها.

 

توقّف برهة عن مراقبتها لإشعال لفافة تبغ من ماركة مارلوبورو والتقط أحد الكتب من حقيبته الجلدية، ثم أخرج من جيب سترته قلم حبر، وبدأ يشطب بعض الصفحات بعلامة «X»، ثم قام من مكانه، متسلّلًا نحو الباب الأمامي للنزول. أخذ يلتفت يمينًا ويسرة، ويتفحّص حقيبته كأنه أضاع شيئًا ما.

لكنه عاد إلى مقعده، وبدا أكثر اهتماما بالكتاب. أخذ يتفحّص النصوص ويقرأ بعض الأسماء، ناطقا بها بطريقة غريبة، ثمّ هزّ رأسه وشبك يديه، وفوجئت ليلى بأنه توقّف عند ذكر إسمها، لكن سرعان ما عششّ الشكّ في رأسها. حاولت إقناع نفسها بأنها توهّمت سماعه، وشعرت بالضيق وهي تفكّر في تصرّفه غير المفهوم بالمرٌة، ثمّ تظاهرت بمراقبة حركة الرّكاب، وهم يتناقصون تباعا، فيما توالت خطواتهم المتعجّلة نحو الباب الأمامي وسط أصوات الإحتجاج المتقطّعة. وما هي إلا دقائق معدودة حتى خفّت الحركة وخلا الباص من الجميع تقريبا.

 ساد الباص صمت ثقيل، وبدأ الضباب يغلّف المكان، وسرعان ما شعرت ليلى ببرد شديد يتسربّ إلى أطرافها، لكنها فزعت  من رؤية الرجل الغريب وهو يقف أمامها تماما.

 قفزت من مقعدها ثم همست:

- من تكون ؟

ردّ عليها بتهكّم وهو يبتعد عنها:

- ماذا تعنين؟

لم تجبه ليلى، ثم قالت وكأنها تحدّث نفسها:

- ماذا يجري هنا، يا إلهي!

صمت الرجل برهة، ثم قال بنبرة صارمة وكأنّه يقرأ أفكارها:

- لا يمكنني أن أحميك من قدرك يا ليلى

توقف لحظة، ثمّ أضاف :

- حاولت أن أغيّر بعض الأشياء لكن يبدو أن الوقت قد فات !

نظرت إليه بفزع شديد وهي عاجزة عن فهم حديثه المقتضب، ثم ركضت نحو الباب الخلفيّ للباص، في محاولة يائسة للهرب، بينما كان الرجل يتمايل يمينا ويسارا ثم بدأ يتبخّر شيئًا فشيئًا، حتى تحوّل إلى بركة صغيرة من الحبر الأسود.

أصابها الذهول، حتى كادت تفقد توازنها وهي تتجّه صوب النوافذ محاولة فتحها، لكنها كلّما لمست الزجاج، تحوّل الى صفائح جليدية. لكنّها استجمعت قواها وحاولت كسره، حتى أحدثت فتحة صغيرة. لكنّ شدة الرطوبة كانت تحبس عليها أنفاسها. ظلّت تقاوم وهي تصرخ بأعلى صوت:

- ساعدوني، أرجوكم... أنا عالقة هنا !

أشارت بهلع إلى أحد المارّة الواقفين على الرّصيف وسط الضباب الكثيف، لكنه لم ينتبه لصراخها. في الأثناء بدأ الباص يتحرّك ببطء...

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:١٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تضيق الأرض بالخطوات
ثقافة عربية

حين تضيق الأرض بالخطوات

حين تضيقُ الأرضُ بالخطوات قصيدة للشاعر حسن غريب أحمد أمشي، وفي صدري مواسمُ حيرةٍ وعلى كتفيَّ حقائبُ من أسى أمشي كأنَّ العمرَ نهرٌ ضلَّهُ مجرى، وكأنَّ الحلمَ أضناهُ الظما ما عادَ في وجهِ المرايا فرحةٌ إلا بقايا وجهِ أمٍّ تنتظرْ والليلُ يخلعُ عن نوافذِنا المنى ويُعيدُ ترتيبَ الخساراتِ الكُبَرْ يا هذه…

· 2 د
حين يصبح الغياب أثاثًا
ثقافة عربية

حين يصبح الغياب أثاثًا

في القرية، كان الموت يصل قبل أصحابه. تسمعين النساء يرفعن أصواتهن من بيت بعيد، فتفهمين أن أحداً ما غادر، قبل أن تعرفي اسمه. كنت صغيرة حين تعلمت هذه القاعدة. لم أكن أفهم الموت، لكنني كنت أفهم أصوات النساء. الصوت الذي يشق المساء فجأة. الصمت الذي يأتي بعده. الأقدام التي تزدحم عند الباب. والصحن الذي يظل…

· 4 د
تراتيل الزمن الضائع
ثقافة عربية

تراتيل الزمن الضائع

قال لها ذات شتاء نلتقي قرب صخر الدهشة، نفتت عشب الضمائر الملحدة نتوحد في سر الماضي المنزوي في تراتيل الزمن المتسارع الضائع في ذؤابة الأيام قال لها كلام و اقترب من نهاية التخفي في صيرورة الزوايا ذهب يئن في مراجل الرزايا يصد ذئب الجوع عن صبايا احترفن عشق سحابة الزيتون يرتلن مع حصى الخنوع بتلة الذهاب…

· 5 د