لم يكن قد جاوز الحلمَ بعد، حين مدت كفُه الصغيرة إلى الحجارة. الحجارةُ وحدها تعاطفت معه، نعم، تعاطفت معه، فما كانت بأقسى من أخيه الإنسان. تعاطفت معه حين أدركت أنه سيقذفها في وجه الطغيان.
كان خفيفاً سريعاً، لا تكاد ترى لقدميه الصغيرتين أثراً على الأرض، كأنه حمامةٌ تطير إلى عشها الذي اعتاد أن يأوي إليه بعيداً عن أعين البصاصين، وحاملي جينات الغدر والتطبيل.
ومضت الأيام بطيئةً، والصبي يغترف من بحر التجارب، ويتمرّد على المغتصب، لا يهاب الموت.
وذات صباح، لم تقع عينُ أمه عليه بين الصبية الذين يلعبون في دهاليز الحي، فتمكن منها القلق. ثم أقبل يمشي متثاقلاً، فركضت نحوه تحتضنه بلهفةٍ وخوف، وقالت له بلهجةٍ حادة: إياك وما حذرتك منه!
رد عابساً: عن ماذا تتحدثين يا أماه؟
قالت والخوف يحبس أنفاسها: عن قذف المعتدي بالحجارة.
قال: أنتِ محقة يا والدتي، لن أفعلها مرة أخرى.
ثم انسلّ إلى حوش الدار الذي أحاطته أجولةٌ من الخيش، بعد أن دمر المعتدي كل شيء.
وظل على هذا الحال سنتين من طفولته، يخرج ويعود مبتسماً، وكان يردد دائماً: سأبدل هذه الابتسامة يوم أقتل ذلك المعتدي برقصتنا الشهيرة، فأنا لا أحب أن يسيل الدم على الوجوه، بل على الأرض، لتتطهر من عهر هذا المحتل.
فشلت كل وصايا أمه وتحذيراتها، حتى عاد ذات مساء يرقص، فقد حقق أول حلمٍ أجهد خياله.
فرحت أمه لفرحه، وسألته: علامَ تضحك يا زين؟
فضحك أكثر وقال: اليوم فقط يا أماه، قدمتُ لحبيبتي وردةً حمراء.
تعجبت أمه وقالت: ومن هي محبوبتك يا زين؟ وهل كبرتَ لهذه الدرجة؟
لم يعبأ بالجواب، ومضى على هديه وعقيدته يحدث نفسه: لا بد أن يكون بين الإخوة اتفاق، من يقدم لكنعان هدايا أكثر.
ثم أخذ يفكر ويقول: الآن وقد بلغت السادسة عشرة، لم أقدم سوى هالكٍ واحدٍ منهم. اليوم عرفتُ أن الحجارة وحدها لم تعد تبلغ ما حلمتُ به.
وكان العدو قد حدد هدفه، بين الإبادة والإقصاء والتشرذم، شعارهم الذي لا يستغنون عنه. ففي كل يوم جنازة شهيد، ووأد طفل وليد، وإهدار كرامة. وأهلي، بنو عقيدتي وبنو جلدتي، يلعبون في سباق الخيل والهجانة! شيء مريب، عدوهم الصدق، وخليلهم اللهو والعربدة.
ومرت الأيام بطيئةً وهو يرى كرامة أمه تُنتهك وهي تسعى للحصول على حفنة دقيقٍ لتخبز وتسد جوعهم. وما كان هذا عمل الشباب الذي يُعِدُّ نفسه للكر والفر، فالعدو صعبٌ، مدججٌ بأحدث الأسلحة وأجدد السيارات. لكن السلاح الذي يفتقدونه هو سلاح الإيمان بالأرض والعرض، وهذا ما لا يملكه عدوي.
وفي إحدى دوريات العدو التي كنا نترقبها، منّ الله عليّ بفكرة: أن آخذ ملاعق طعام الدورية، وهي من الحديد، فأبْرِيها من الجانبين حتى تصير نصلاً قاتلاً فتاكاً. وبالفعل، صارت سلاحاً جديداً، أهلكتُ به بيدي خمسة جنود، ليقترب مهر حبيبتي من العشرة التي وعدتها بها، زينة، شقيقة الرجال، محبوبتي.
وفي إحدى الليالي، أسمعتها بيتين للمتنبي، الشاعر الفارس، ففرحت زينة وقالت: زين، أتعرف ما يسعدني أكثر؟
قلت: نعم، أعرف، مهرك الذي وعدتك به من جنودهم.
قالت: سِرْ على هذا الوعد، لكن...
قلت: لكن قلة المال والعتاد يا زينة يشغلني.
قالت: سافِر إلى أهلنا في الجوار، وتعلم شيئاً من فنون الحرب، وعد إليّ. سأنتظرك حتى آخر العمر.
وهكذا فعل زين. عاد بعد أن أتم الثامنة عشرة، محملاً بحماسٍ لا نظير له واندفاعٍ لا شبيه له. وفي سنتين أخريين، كان قد تمكن من صنع ما يحلو له من السلاح، وفجّر حافلتين دون أن يلمح العدو له ظلاً.
لكن المفاجأة أن الذي وشى للعدو بمخبئه كان رجلاً من العشيرة، دفعه الحقد والغل لتفضيل زينةَ زيناً عليه. فباعه بثمنٍ بخس، بائع الحنظل في حارتهم، وأدخله سجن العدو.
قضى زين بين جدران الزنازين عامين، تعلم فيهما لغة المحتل، ثم أُفرج عنه في صفقةٍ لتبادل الأسرى.
وما إن خرج حتى عاد، بفضل ربه وعون الصادقين، ففجر حافلةً وقتل اثني عشر جندياً في لحظةٍ واحدة، مما دفع كبار مسؤولي الاحتلال إلى رصده ودراسة إمكاناته الخارقة.
ثم سلّم زين قلبه الحنون لعملية اختراقٍ لكمين، لا لشيء إلا ليجلب الطحين لأمه وأخواته الجائعات. وهنا وقعت الواقعة. فأثناء محاولة القبض عليه، قتل ثلاثة جنود، فحُكم عليه بخمسٍ وعشرين سنةً خلف جدران العذاب.
ومرت السنوات، وكبر الفتى زين وأصبح من أبطال المقاومة، فلفّقوا له خمسة عشر عاماً أخرى، حرموه فيها من الأهل، وخذلوه.
فماذا يفعل الأسير العاشق؟
استدعى زينة، وعقد قرانه عليها من خلف القضبان، وهي تبتسم وتقول له: هاتِ ما عندك يا فتى.
وقد بلغ زين اليوم الأربعين، خلف قضبانٍ من حديدٍ ساخن، ولا يزال ينتظر من إخوانه صفقةً جديدة لتبادل الأسرى، ليعود إلى حبيبته... إلى زينة... أصل كنعان







التعليقات