لم يولد الإنسان مكسواً بالفرو ولا مزوَّداً بالأجنحة، ولا بدرعٍ يقيه.
جاء إلى الدنيا أعزل،
عاريًا إلا من فضوله ودهشته،
فوقف أمام البرد الذي يلسع،
والجوع الذي ينهش،
والوحش الذي يترصّد،
والمرض الذي يأتي بلا موعد.
وكان أشدّ ما واجهه هو الخوف من المجهول،
فسأل كيف أبقى؟
ومن سؤاله نسج أول ثوب،
قدح أول شرارة من حجر،
وبنى أول سقف يحميه ،
كأن عقله بوصلةٌ تتبدّل الاتجاهات من حولها، وتبقى إبرتها تشير إلى الرؤية الأرحب.
ثم جاءه الموت ساكنًا كحجرٍ ثقيل في طريقه،
فلم يشأ أن يكسر السؤال على أعتابه،
أغمض عينيه وحلم،
وفي الحلم شيّد جنّته الخالدة
وجعل الفناء بابًا يُفتح على بستان لا يذبل.
ومن الحجر الذي قدح منه شرارته، شقّ دروبًا أبعد من الحلم
صنع العجلة فاختصر المسافات،
صنع الآلة،
وعلّم الأسلاك أن تحمل صوته،
وجعل الأثير يلغي المسافات ،
فلم يعد البعد حاجزًا بين البشر
ثم رفع بصره إلى القمر الذي طالما ناجاه، فوطئ ترابه، وأرسل مراكبه تجوب الكواكب البعيدة وتعود إليه بمعرفة أكبر
بنى عقولًا من نور تحاوره وتجيب عن أسئلته،
وكل أداة ابتكرها كانت سؤالًا قديمًا في حلة جديدة وكأنه يصوغ بالوعي ما كان يصوغه بالحلم،
جسرًا يعبر به إلى أبعد مما ترسمه المخيّلة في أقصى جموحها
سؤال يتبعه حلم،
وحلم يَلِد أداة،
وأداة تفتح سؤالًا جديدًا.
تتعاقب عليه العصور وتتبدّل من حوله الدنيا،
ويبقى كما هو كائنًا صغيرًا بحجم الدهشة،
كبيرًا بحجم ما تحمله روحه من آفاق بعيدة
وفي كل مرةٍ يرنو فيها إلى الأفق الممتدّ أمامه، ترتجف إبرة بوصلته عند السؤال الأكبر
إلى أين؟







التعليقات