نطق والده والألم ينهش عينيه: "عد رجلاً، هذه البلاد تفيض مالاً، مد يدك واغرف، فالناس لا يعنيهم الحلال من الحرام، المهم الفلوس". ارتفع حاجبا الابن قليلاً، وتمددت ابتسامة لينة فوق وجهه، اتسعت وكأنها تضم الكون بأسره. لحظتها، هربت من أمه شجاعتها، والحنان يطل من عينيها، فبادرت بصوت متهدج يكاد ينفجر: "رهن والدك أرضنا، وباع المحصول بالآجل!". ومن بعدها، انخرطت في بكاء مرير، ارتفع على إثره نحيبها، وكأن شفتي الابن تخفقان بنبض قلبه ليرد بصوت خفيض: "غداً تلبسين الحرير والذهب، وتلعبين بالمال"،هدأت ثائرة المرأة، كفكفت مدامعها بطرف ثوبها الباهت، وقد ارتسمت على وجهها الشاحب بارقة أمل، قبل أن تجذبه من ياقة جلبابه، وتنفجر في ثورة: "إذا لم ترجع بالمال، فلن تجد مكانك هنا، ستلعنك الجدران، ويجحدك صدري الذي غذاك، وبطني الذي آواك". ظل في ارتباكه، لكنه صار أشد عزماً على المضي في طريقه، أن يرجع بالمال، أن يدوس كل شيء لأجله.
حطت رحاله في بلاد بعيدة، ومن يومه الأول تحركت شهيته، وانتفضت حواسه. صبر أياماً قلائل على قسوة الظروف، لم تنقطع عنه همسات أمه، فهي تعاوده آناء الليل وأطراف النهار، تحوم حوله في إلحاح، تذكره بالوعد الذي قطعه على نفسه، فاضت الثقة في روحه ثانية، ينام كل ليلة وبين عينيه حلم جميل، في البداية استقرت به الحال في عمل متواضع، صبر لأشهر، قبل أن يتعرف إلى رجل طيب، استدر عاطفته، وشكا له فقره وعوزه، رقّ الرجل لحاله، فتوسط له عند صديق؛ فألحقه بوظيفة في كبرى شركات المقاولات، تراقص قلبه بين ضلوعه حتى خيل إليه أنه يكاد يقع تحت قدميه. مبكراً، أعمل حيلته، فتقرب من مسؤول كبير كان عينه التي يرى بها، وأذنه التي يسمع بها، فاطمأن إليه، ووثقت بينهما عرى الصداقة، انتزعته تلك الصداقة من براثن الشقاء، وقربته من حلمه، لم يبقَ عليه إلا أن يتحلل من كل خُلق ومروءة، وهي أمور بسيطة في نظره.
تتألق عيناه ببريق الطموح، اندفع كذئب مسعور، لا يقنع من حياته باليسير، فلا يسقي قلبه الظامئ غير النقود. عاود إبليس يغويه، يوسوس في صدره، حتى وقعت الواقعة؛ جره المسؤول الكبير معه لعالمه الحالم. تذوق لأول مرة طعم النعيم، فمع أول فاتورة يزورها، كان على أتم استعداد لأن يعطي بلا حساب، وأن يتنازل دون رقيب، فالحياة فرصة، والغربة عالم واسع، والكل مشغول فيه بهمه. اندفع يعبّ من الحرام عباً، سال لعابه، وطابت شهيته، وتمرس على جميع الحيل، وأتى دواهي السفلة، وفاق أستاذه خبثاً؛ فأظهر كفاءة مذهلة، كمن ولد من بطن أمه محتالاً. اتسعت مع الأيام أشغاله، واتسعت معها دائرة أملاكه، فاشترى أرضاً، وابتنى بيتاً زانه بأحسن الزينة، وطافت النعمة بوالديه، فأصبحوا بين عشية وضحاها من الوجهاء .
لكنه -مع ذلك- حرم على نفسه كل متعة؛ يعلو وجهه الشقاء، تنبئك ملابسه المهلهلة، وطعامه الخشن عن شحاذ ذليل يستجدي إحسان الناس. مؤخراً، وفي غرفته المظلمة، تعالي صراخه؛ إذ تزوره باستمرار كوابيس مخيفة لرجال سود شداد، بأيديهم كرابيج حامية تلهب ظهره. ينزع نفسه من تلك الرؤى محطماً، يتصبب عرقاً في لهاث موصول، تغيم عيناه في سحابة من الدمع، وكأنه يرزح تحت حمل ثقيل. لكن ذلك لم يعطل شهيته في عقد الصفقات المشبوهة، فكلما أحاطت به كوابيسه، تجرأ أكثر على الحرام. لا يزال، ودائرة الأبالسة تتسع من حوله، تبتلعه، ويخبر عنه جيرانه أن صراخه وتوسلاته لا تتوقف طوال الليل.







التعليقات