في ركن دافئ من مقهى قديم بحي الجمالية، كانت تصبّ فنجان قهوة سلمى في صمت ثقيل. كانت تمسك القلم بيدها، وتتأمل انعكاس وجهها على النافذة المبللة بقطرات المطر. أربعة وعشرون عامًا عاشتها وهي تعتقد أن الأنثوية ليست سوى ثوب ترتديه عندما يطالبها المجتمع بالرقة، وتخلعه حين يُطلب منها أن تكون جدارًا صلبًا يتكئ عليه الجميع.
رحلت أمها، "بتول"، قبل أسبوع واحد فقط، تاركة لها ورقة صغيرة كتبت بخط مرتعش: "لا تكوني مجرد محطة يا سلمى... كوني الوطن". ولكن كيف لها أن تخلق وطنًا لنفسها، وهي التي لم تكن يوماً سوى ظل عابر؟
كان مراد يرى فيها ملاذًا، لكنه لم يعتبرها هوية قائمة بذاتها. كان حبهما مزيجًا من الاحتياج والهروب: هي تهرب من ثقل العائلة بعد فقدان أمها، وهو يهرب من صعوبات مشاريعه التجارية.
في إحدى الليالي، مرر أصابعه على حافة الطاولة، وقال لها:
"أنتِ ملاذي يا سلمى... عندما أكون معكِ، أشعر أنني في بيتي."
لم تبتسم سلمى. تلك الكلمات التي قد تُطري الكثير من النساء كانت تؤرقها. ملاذ؟ مأوى؟ محطة؟ كانت عبارة "أنثى مؤقتًا" تتردد في رأسها كالصداء. كانت امرأة طالما كانت تصغي، وتتفهم، وتدعم؛ ولكن ما إن تعبر عن ألمها الخاص، حتى يتحول الحوار إلى متطلبات الحياة اليومية الباردة.
في بيت والدها القديم، بين الجدران العالية ورائحة الورق العتيق، بدأت سلمى في ترتيب المقتنيات الشخصية لبتول. في حيهم، كانت الأمهات يعلمن البنات الصبر حتى التلاشي. كانت أمها تردد دائمًا: "المرأة هي حجر الزاوية"، لكن سلمى رأت كيف ينتهي الأمر بذاك الحجر إلى التآكل، مدفونًا تحت التراب، دون أن ينظر أحد إلى جمال نقوشه.
عندما زارها مراد ليمد لها يد المساعدة، توقف ليتأمل لوحات كانت قد رسمتها منذ سنوات ثم أهملتها.
"لماذا توقفتِ عن الرسم؟ كان بإمكانكِ الاستمرار."
أجابته بصوت خافت: "لم يكن هناك وقت لتكون 'سلمى' موجودة. كان عليّ أن أعتني، وأدير، وأسند."
قال بحسم: "الآن أنا معكِ... يمكنكِ البدء من جديد."
إلا أن صوته لم يكن يحمل شغفًا حقيقيًا بفنها، بل مجرد مجاملة لمشاعر عابرة.
في إحدى الليالي، وقفت أمام مرآتها الطويلة. ارتدت فستانًا أزرق كانت قد اشترته منذ زمن ولم ترتده قط. نظرت إلى عينيها وقرأت فيهما تعبًا لا يمكن للمكياج أن يخفيه. هل كانت الأنثوية مجرد مظهر يُعرض في المناسبات؟ أم كانت بالأحرى الحق في أن تكون ضعيفة، وأن تحلم، وتغضب، وتعبّر عن نفسها دون خوف؟
وصلتها رسالة من مراد: "هل نلتقي غدًا لتحديد موعد الخطوبة؟ أعتقد أن الوقت قد حان لنستقر."
تلك الكلمة، "نستقر"، أربكتها. هل كانت الخطوبة بالنسبة له مجرد نهاية لبحث، أو وسادة يستريح عليها؟
في اليوم التالي، التقيا في حديقة الأسماك بالزمالك. كان الهدوء يلف المكان، بينما تتخلل أشعة الشمس أغصان الأشجار المعمرة.
بدأ مراد يتحدث عن شقتهما المستقبلية، ولون الجدران، وكيف ستتغير روتين العمل لكي تتفرغ هي تمامًا للبيت.
قاطعته سلمى بنبرة هادئة ولكن حازمة: "وماذا عن معرضي؟"
توقف مراد، ثم ابتسم بتعالٍ: "معرضكِ؟ سلمى... نحن نبدأ حياة جديدة، لا يوجد وقت لهذه الهوايات الآن."
في تلك اللحظة، رأت سلمى الحقيقة في عينيه: كانت بالنسبة له "أنثى مؤقتًا" — رفيقة ممتعة حتى تبدأ الحياة الحقيقية، لتتحول بعد ذلك إلى مديرة لمتطلباته.
خرجت من الحديقة دون أن تنهي الحديث. مشت على طول كورنيش النيل والرياح تضرب وجهها. تساءلت: "متى سمحتُ للآخرين برسم حدودي؟ متى حوّلتُ وجودي إلى مرحلة انتقالية في حياة من أحب؟"
تذكرت كلمات أمها: "كوني الوطن". فالوطن لا يستأذن ليكون موجودًا، ولا يتنازل عن حدوده ليرضي العابرين.
أغلقت سلمى على نفسها غرفتها لثلاثة أيام متتالية. لم تجب على اتصالات مراد المتكررة. فتحت أنابيب الألوان الزيتية التي أوشكت على الجفاف، وأمسكت بسكين الرسم، ونفضت الغبار عن اللوحات.
بدأت ترسم. لم ترسم أشجارًا أو أزهارًا كما في السابق، بل وجوه نساء بمعالم متداخلة، يمتلكن أجنحة خفية تحت ثيابهن. كانت تسكب على اللوحة سنوات الصمت، وكل لحظة كانت فيها امرأة فقط بالقدر الذي يناسب الآخرين.
حضر مراد إلى بيتها غاضبًا:
"ما هذا التصرف يا سلمى؟ تتجاهلين اتصالاتي لأيام من أجل رسم لوحات؟"
فتحت له الباب، ووقفت بثبات لم يعهده فيها من قبل. لم تكن غاضبة على الإطلاق؛ كانت هادئة كهدوء البحر قبل العاصفة.
"مراد... أنا لا أتجاهلك من أجل اللوحات. أنا أتجاهل فكرتك عني."
"أي فكرة؟ أنا أريدكِ زوجة لي، أريد أن أبني مستقبلاً معكِ!"
"أنت تريد استقرارك، وتريدني أن أكون الوعاء لهذا الاستقرار. تريد امرأة تملأ الفراغ مؤقتًا حتى تسوّي أمورك، ثم تجعل منها جزءًا من الأثاث. أنا لستُ محطة يا مراد."
نظر إليها مراد غير مصدق. استمر في الحديث عن الحب والتضحيات، لكنها رأته لأول مرة على حقيقته: رجل يبحث عن سكن جاهز، لا عن بناء شراكة حقيقية.
نزعت خاتمًا بسيطًا كان قد أهداها إياه في بداية قصتهما، ووضعته على الطاولة.
"الحب الذي يمحو من نكون ليس حبًا. كنتُ أظن أنني معكِ سأكتمل، لكنني أدركتُ أنني كنتُ أستعير هويتي منك فقط."
قال مراد بنبرة حادة: "ستندمين... لن تجدي أحداً يحبكِ مثلي."
أجابته بابتسامة خفيفة: "ربما، ولكنني وجدتُ نفسي... وهذا يكفي."
مرت ثلاثة أشهر. كان معرض صغير في وسط المدينة يستضيف أعمال ثلاثة فنانين شباب. وفي أحد الأركان كُتب اسم: "سلمى بتول".
كانت اللوحة الرئيسية تحمل عنوان "أنثى مؤقتًا". لم تكن اللوحة تنضح بالحزن؛ بل جسّدت امرأة تخرج من شرنقة رمادية، تاركة خلفها ثيابًا مستعارة، وتتجه نحو شمس ساطعة.
توقف الكثير من الزوار أمام اللوحة، يستوعبون عمق معناها. لم تكن سلمى تبحث عن التصفيق؛ بل كانت تبحث عن تأكيد أنها لم تعد ظلًا في قصتها الخاصة.
في المساء، وبعد انتهاء المعرض، جلست سلمى في المقهى ذاته بالجمالية. كان المطر لا يزال يهطل بنعومة.
لم تعد تنظر إلى الفنجان بعينينِ تعبتين. أخرجت دفترها الجديد وكتبت في الصفحة الأولى:
"لم أعد امرأة لأجل مسمى، ولا هوية على هامش أيام الآخرين. خلعتُ ثوب الإرضاء المؤقت، وأصبحتُ لنفسي أرضًا، وسقفًا، ووطنًا لا يزول."
أغلقت الدفتر وابتسمت لغدٍ ستكتبه بيديها، كاملةً ونهائية







التعليقات