انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أغنية تسكن الغياب

بسام الطعان
بسام الطعان

قاص وروائي سوري

3 دقائق للقراءة
19 مشاهدة
أغنية تسكن الغياب
مشاركة:

لمن أتلو غيابها؟ على غربتي وأنا في بلاد بعيدة، أم على غابات وحدتي، أم على رمال صديقي الوحيد، بحر البلطيق؟
كيف تغيب وهي أغنية تأخذني إلى عوالم بعيدة، ودون ألحانها أغنية نهاري صامت ويتدثر بالعتمة؟!
سيدة الحنين والدفء المفقود، ما زال صوتها الذي يشبه ضحكة طفلة يأتيني من ثقوب الذاكرة، ولا أدري أي زمان سيحتويني بعد الآن.
تلك الرهيفة، الطافحة بالمواويل، تقدمت مني يوماً من أيام الفرح بجسد يفتح شهيتي على بوح الكلام، تأملتها ملياً، فبدت لي مثل ضوء يتلألأ تحت رذاذات المطر، تسّمرت أمامي للحظات، فشممتُ رائحة العنبر، خُيّل إليَّ أنها نثرت من حولي شيئا من المحبة، بعد حين منحتني نغم طير، ودفء غيمة، ثم استدارات إلى الوراء وسارت بهدوء بهي وكأنها تسير على أنغام رفرفات اليمام، ولأن لها ملامح تشبه أضواء ملونة في ليلة صيفية، منحتني رجفة العشق بعد أن تركت ابتساماتها في عينيَّ التائهتين في المدى، يا لهذا المدى الذي غيّبها ولّف من حولي الظلام.
نظرتُ إليها ملياً وهي تبتعد بخفة وتمنحني الطيبة والحنان، وحين بقيت أستعير من نظراتها المواويل، لم أر غير زنبقة مزروعة فوق تلال الروح.
بغتة همس شيء ما في داخلي:" إذا أردتِ أن تذهبي، اذهبي! ولكن لا تتغيّري، ولا تنزعي صوركِ من داخلي، لا تزيدي الآهات من حولي، ودعي الغياب يليق بالذي كان بيننا حتى لو كان في الحلم، تعالي إليَّ بالسر الذي في شامتكِ الغافية تحت أنفكِ، وامنحيني تلك الرائحة المكتوبة بعبق بالياسمين، تعالي، مروج الأحضان تناديكِ كي تنهلي من دفء الوفاء.
لكنها ابتعدت وثوبها الزهري يَسحرُ آلهة الريح ولم تبالِ بصيحات الروح والجسد.
غابت وهي لا تدري أن غياب الروح عن الروح قد بدأ، ولا تدري أن طيفها بقامته، بالعنب الأبيض الذي يسكنه لا يتركني، دائماً يشعل هدوئي، ويأتيني بتغاريده، وأنا لا أملك غير أن أنقش فوق صدره أزهى تجليات العناق.
كلما تتكثف غيوم وحدتي، أقف أمام نافذتي، أنظر إلى جهة الطريق، أتسلى بالنظر إلى طيفها السائر تحت نداوة الغيم، وأعلن ولائي لهدوء الليل الذي يحمل إليَّ نسماتها الدافئة.
تعب القلب وذاب من هذا الغياب ، ولكن الروح لا يمكن أن تتعب أو تذوب ، ذات ليلة من ليالي الشوق، كنت أسجن في داخلي حزني وعتابي وحنيني، وأحسست أن كل ما أمر به سيتراكم ويبدأ بخنقي شيئاً فشيئاً، وأنني لم أعد أستطيع أن أتنفس، وأنني بالفعل انطفأت ومات كل شيء في داخلي، وفجأة التفت إليّ طيفها ، كان ينضح نقاءً ولمعاناً وكأنه منبعث من نعومة الحرير، نظرتُ إليه طويلاً فابتسم لي، وحين خفف من تعب المسافات، فرحتُ قليلا بل كثيراً وذهبت إلى النوم بعد أن سمح لي أن أتدثر بهديله.
أصبحت همي وأهمي، ولم أجد شيئا يغريني سوى رياضة ركوب الأمواج في بحار عينيها ، تلك الأمواج الدافئة التي تطير بي إلى الأعالي.
كم تمنيت لو استطعت أن أمتلك زورقاً صغيراً كي أبحر في شفق ابتسامتها.
كثيراً ما كانت تأتي إليَّ مثل غيمة ماطرة، تبشريني بأيام فريدة لا بُعاد فيها ولا جفاف ولا نسيان، وكلما داعبها نظري، تنبت ثمار ناضجة منقطّة بالعذوبة من حولي، وإلى الآن ما زال حبقها يتدلّى فوق نوافذي.
بقيت أنتظرها كل صباح ومساء، انتظرتها فصولاً بأكملها، ومر حزن، وملايين الطيور، ونبتت غابات الثلج، وامتلأت ضفاف الأنهار بالأزاهير، وما زلتُ أنتظر وجهها ليغسلني بضوئه.
الزمن يجلدني وترميني المسافات لكني ما زلتُ أبحث عنها، أمضغ صمتي وأتشرب الوجوه وجهاً وجهاً حتى الغياب.
خبأتُ لها دفء بيتي، وأغنية منبعثة من أزاهير شرفاتي، وهي ما زالت تباغتني بصقيع المنافي، بينما وجهها البهي يزيّن ذاكرتي، يفتح شهيتي على بوح الكلام، وما زلتُ أتألق عشقاً وحنيناً كأنني في ظلال حلم لذيذ، وفي كل ليلة، أكتبها بشغف على مساحات الخيال، وأظل أنتظرها كي نشارك الساهرين لياليهم، فلقاء ليلي مع ليلها عتابٌ وهيامُ.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قيد الدراسة
ثقافة عربية

قيد الدراسة

كان مصطفى يعرف المطر من رائحته قبل أن تمسّ السماءُ الأرض. في العاشرة من عمره، في حيٍّ أسفل الطريق نسيته الخرائط عند طرفها، تعلّم أن للتراب في أول الخريف نَفَساً حاداً كطعم قطعة نقدٍ على اللسان. يشمّه أبوه سالم يترك الشاي الأحمر يبرد في الكأس ويحدّق في آخر الزقاق، حيث ينفتح في الرصيف مصرفٌ مسدود بما…

· 5 د
صوت الصمت
ثقافة عربية

صوت الصمت

صوت الصمت قصة قصيرة يستلقي فوق سريره كجثةٍ نسيتها الحرب، يحدق في سقف الغرفة الذي بات مرآةً لخواء روحه. لم يكن السرير مجرد خشبٍ ومرتبة، بل كان زاويةً منسية في قبو العالم، وكانت عيناه مسمرتين في تشققات الطلاء التي بدت له كشروخٍ في كيانه توقف عن ترميمها منذ زمن. في الخارج، لم يكن المطر يطرق النافذة،…

· 4 د
سأترك السفينة
ثقافة عربية

سأترك السفينة

ليس تقدما في العمر ولا خوفا من المغامرة بل إن تكرار الحروب مجددا يعيدنا الى إلى نفس الصفر لأننا لا نجد مغارة ولا كنز لا نجد امرأة جميلة ولا خاتم سليمان لا نجد الوحش ولا الجرذان نجد فقط كلابا ميتة والماء عطشان ليس برودا عاطفيا أو نقصان في الحماسة ولا خوفا من الأسر بل إن العالم أفرغ وأصبح خاليا ففي…

· 1 د