التلغراف - متابعة
يعود الروائي العراقي ياسين غالب في بثيمة غير مطروقة في الروايات العربية والعراقية في روايته الجديدة " گوگوش،هذه الليلة سجادة فارسية" إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في الذاكرة الإنسانية: منطقة المنفى، والحرب، والطفولة المبتورة، والحب الذي يؤجلّه التاريخ، والحنين الذي لا تنجح المسافات في إخماده.
الرواية، الصادرة عن دار الرافدين نيسان - إبريل 2026، تبدو في بنيتها رحلةً بين مدن وأزمنة متباعدة، لكنها تلتقي جميعًا في فضاء الذاكرة. من البصرة ورفحاء إلى طهران، ومن ميسيساغا وتورونتو إلى لندن، تتحرك الشخصيات بين الجغرافيا والتاريخ، بينما يظل الماضي حاضرًا كأنه لم يغادر قط. وفي قلب هذا العالم تأتي گوگوش، الفنانة الإيرانية الشهيرة، لا بوصفها شخصية فنية فحسب، بل بوصفها صوتًا للذاكرة، وعلامةً على زمن كامل من التحولات والمنع والاقتلاع والمنفى.
يستند العنوان نفسه إلى صورة شعرية لافتة: “هذه الليلة سجادة فارسية. فالسجادة هنا يمكن أن تُقرأ بوصفها استعارة للذاكرة؛ خيوط كثيرة متشابكة، ألوانها آتية من أماكن مختلفة، وكل خيط يقود إلى حكاية أو جرح أو حب أو مدينة. وكما تُنسج السجادة من تفاصيل صغيرة لتكوين صورة واحدة، تنسج الرواية حكايتها من شظايا الماضي، لتكشف في النهاية أن الإنسان قد يحمل وطنه معه حتى عندما يبتعد عنه آلاف الأميال.
ليلة كندية باردة تجمع في بودكاست بين گوگوش ولؤي البصراوي ، لكن برودة المكان لا تمنع اشتعال الذاكرة. تتوالى الأحداث كما تتساقط أحجار الدومينو، لتعود الشخصيات إلى أسئلة قديمة لم تجد لها إجابات نهائية. ومن بين هذه الأسئلة يبرز سؤال موجّه إلى گوگوش: هل ما زلتِ تذكرينني؟ وهو سؤال يتجاوز المخاطبة المباشرة ليصبح سؤالًا عن الذاكرة نفسها: هل نتذكر الأشخاص الذين عبروا حياتنا؟ وهل تستطيع الذاكرة أن تنقذ ما عجز الواقع عن إنقاذه؟
في عالم ياسين غالب الروائي، لا تبدو المدن مجرد أمكنة للعيش، بل تتحول إلى خزائن للذاكرة. البصرة تحمل الطفولة والجذور، ورفحاء تستحضر اللجوء والاقتلاع، وطهران تستدعي عالمًا ثقافيًا وفنيًا وسياسيًا كثيفًا، بينما تمثل مدن الشتات الكندي والبريطاني الوجه الآخر للمنفى، حيث يحاول الإنسان أن يبدأ حياة جديدة من دون أن يستطيع التخلص من حياته القديمة.
وتتخذ الرواية من صوت گوگوش مدخلًا إلى عالم أوسع من الغناء. فصوتها، في المخيال الثقافي الإيراني والعربي، مرتبط بمرحلة تاريخية كاملة، ولذلك يصبح حضورها في الرواية جسرًا بين الخاص والعام، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية. وفي هذا السياق، تكتسب صورة «الصوت الممنوع» دلالة عميقة؛ إذ يصبح الغناء فعلًا من أفعال مقاومة النسيان، ويصبح الصمت نفسه جزءًا من الحكاية.
وتكشف الرواية عن شبكة من التجارب الإنسانية القاسية: الحرب، والطفولة المنع والفن الفارسي والحب المؤجل والترحيل والانتفاضة واللجوء. وهي موضوعات تتقاطع مع التجربة الأدبية لياسين غالب الذي ارتبط مشروعه الروائي بأسئلة الحرية والهوية والمنفى والذاكرة منذ قرر أن يكتب بلاحدود. وقد تناولت قراءات نقدية حديثة تجربته بوصفه كاتبًا عراقيًا من البصرة يعيش في هلسنكي، ويحاول أن يجعل من الكتابة مساحةً للحفاظ على الجذور والانفتاح في الوقت نفسه على ثقافات ولغات أخرى. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه الرواية هو أنها تضع القارئ أمام سجادة واسعة من الحكايات: كل مدينة لون، وكل شخصية خيط، وكل ذكرى عقدة، وكل أغنية نافذة على زمن آخر. وفي النهاية، لا يعود السؤال: أين الوطن؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا يبقى من الوطن حين نحمله في ذاكرتنا، ونحاول أن نعيد نسجه بالكلمات؟
بهذا المعنى، تأتي رواية ياسين غالب بوصفها نصًا عن الحنين الذي لا يهدأ، والمنفى الذي لا ينتهي، والذاكرة التي تقاوم المحو؛ رواية تجعل من صوت گوگوش نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وبين الماضي والحاضر، وبين الإنسان وما فقده، وبين ما يتذكره وما يخشى أن ينساه.






