عدنان مشهي
يطل الروائي المغربي زكرياء البشاري على المشهد الأدبي من خلال عمله الروائي الأول "هواجس العمى والرماد"، الصادر عن منشورات الأطلس، ليخط بذلك أولى خطواته في عوالم الرواية، ويقدم تجربة إبداعية تنفتح على أسئلة الإنسان ومصيره، وعلى ما تتركه الحياة من ندوب في الروح والذاكرة.
تتمحور الرواية حول الإنسان في مواجهة تجارب الحياة القاسية، وما يمكن أن تفعله به الخيبات والانكسارات حين تتوالى منذ الطفولة. إنها رحلة في عوالم الألم والفقد والتنمر والحب والخسارة والبحث عن العيش الكريم، حيث تتحول التجارب اليومية إلى اختبارات متتالية، ينكسر معها شيء من الإنسان في كل مرة، لكنه يواصل السير، حاملا ما تبقى من أحلامه وهواجسه.
ومن خلال هذا التصور، يستعير زكرياء البشاري صورة الأجنحة ليجعل منها رمزا لما يمنح الإنسان قدرته على الحلم والتحليق، قبل أن تتكفل التجارب القاسية بكسرها واحدا تلو الآخر. وفي خلفية الرواية، يكتب: "يولد الإنسان في مجتمعاتنا بأكثر من جناحين، عكس الطيور، فتبدأ رحلته في الدنيا من الصرخة الأولى، ليدخل تجارب قاسية كثيرة تسلب منه لعبته، يتعرض للتنمر، يخسر حبيبه الأول، يسلبه حقه في العيش الكريم ... فتكسر أجنحته واحدا تلو الآخر، كل تجربة تتكفل بكسر جناح، ليعيش تجاربه الأخرى دون أجنحة، محروما من حقه في الرفرفة ..".
ويحمل عنوان "هواجس العمى والرماد" دلالات موحية بعالم الرواية، بما يجمعه من إحالات إلى العتمة والاحتراق وما يختبئ خلفهما من أسئلة وقلق وذاكرة مثقلة بالتجارب. ومن هنا يبدو النص محاولة للنفاذ إلى أعماق الإنسان، ومقاربة ما لا يقال حين يصبح الألم جزءا من الحكاية.
ويكتمل حضور الرواية بصريا من خلال لوحة للفنانة التشكيلية المغربية خديجة جرير، في قراءة تشكيلية تنسجم مع أجواء العمل ودلالاته، بينما تولى الشاعر المغربي عدنان مشهي تصميم الغلاف.
"هواجس العمى والرماد" ليست مجرد إصدار جديد يضاف إلى رفوف المكتبات، بل هي الخطوة الأولى لزكرياء البشاري في مسار روائي يختبر فيه علاقته بالسرد والإنسان والحياة، ويفتح من خلاله نافذة على عالم تتجاور فيه الهشاشة مع المقاومة، والانكسار مع الرغبة في مواصلة الرفرفة، حتى حين لا تبقى للإنسان أجنحة.







التعليقات