طالب كريم
عن سلسلة " دراسات نقدية " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثا ل أ. م. د. عادل ناجح البصيصي كتابه النقدي الجديد الموسوم " المبني للمعلوم .. قراءة في الحداثة الشعرية " ليست الحداثةُ عند جابر عصفور مصطلحاً نقدياً عابراً، بل هي مشروُ وعيٍ متكامل ، حاول فيه هذا الناقد الكبير أن يعيد تأسيس علاقتنا بالتراث وبالغرب وبالذات العربية في آنٍ واحد. هذا هو المنطق الجوهري الذي ينهض عليه كتاب " المبني للمعلوم.. قراءة في الحداثة الشعرية " للباحث الأستاذ الدكتور عادل ناجح البصيصي *، وهو كتاب لا يكتفي برصد أفكار عصفور، بل يحاول يفكك آليات إشتغاله النقدي، ويكشف عن الأبعاد المؤسِّسة لفكرة الحداثة عنده. ويُعدّ جابر عصفور بحق من أبرز الباحثين العرب المعاصرين الذين انخرطوا في كتابةٍ ذات مستويات متعددة ومتنوعة ، تحركها قضايا وإشكاليات فكرية ونقدية كبرى، تستجيب لمتطلبات المشهد الثقافي المعاصر. ولم يكن عصفور ناقداً أدبياً بالمعنى الضيق، بل كان مثقفاً عضوياً بمعنى الكلمة. فإلى جانب دراسته للاتجاهات النقدية الحديثة تأليفاً وترجمة، انصرف بجهد موازٍ إلى دراسة قضايا النهضة والتنوير العربي وإشكالياته، سواء على مستوى الهوية الثقافية والحضارية، أو على مستوى نقد ثقافة التخلف، والدعوة إلى تكريس أسس ومعالم مشروع تنويري عربي ينهض بالواقع الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والثقافي في مجتمعاتنا العربية. لقد شخص عصفور أسباب هذه الثقافة ومبرراتها، وتتبع أثرها العميق على الوعي العربي في الحاضر والمستقبل، مؤمناً بأن النقد الأدبي لايمكن أن ينفصل عن النقد الثقافي العام، وأن تحديث القصيدة يمر بالضرورة عبر تحديث العقل. وينقل من التنوير العام إلى إشكالية الحداثة الشعرية ، وعلى هذا المنظور العام الواسع، يتوقف الباحث عادل البصيصي في كتابه عند واحدة من أهم الإشكاليات النقدية التي استأثرت بإهتمام جابر عصفور، وهي إشكالية تأسيس الحداثة الشعرية. ومن الجدير بالتأكيد كما ينبه المؤلف أن هذه المقاربة تُعنى في منهجيتها تحديداً بالأبعاد النظرية والتأسيسية التي يمكن من خلالها التعرف على طبيعة هذا التأسيس عند عصفور، لابتطبيقاته العملية. فالإشتغال النقدي لعصفور على نماذج ونصوص شعرية عربية وغربية بعينها، يبقى بوعي منهجي محسوب خارجاً عن إطار وحدود هذا البحث، الذي آثر أن ينصرف إلى البنية الفكرية المؤسِسة قبل أن يتورط في الجزئيات التطبيقية وهنا تكمن رصانة الكتاب العلمية : أنه لا يبحث عن " ماذا قال عصفور عن قصيدة كذا "، بل يبحث عن " كيف أسس عصفور لمفهوم الحداثة الشعرية أصلاً، وماهي المرجعيات المعرفية والمنهجية التي اعتمدها في هذا التأسيس . المبني للمعلوم ضد المجهول الثقافي، إن إختيار عنوان " " المبني للمعلوم " ليس إختياراً بلاغياً مجانياً، بل هو موقف فكري. ففي مقابل ثقافة التخلف التي تُبنى للمجهول، وتُغيّب الفاعل ، وتُكرس الإستلاب، يأتي مشروع عصفور كما يقراءه البصيصي ليبني الحداثة للمعلوم : للذات العربية الواعية، و للقارئ الفاعل، وللشاعر المسؤول عن لغته وعصره. إن الحداثة الشعرية عند عصفور، كما يكشف الكتاب، ليست قطيعة مجانية مع التراث، ولا إستنساخاً أعمى للغرب، بل هي فعلُ بناءٍ معرفي، يستدعي التراث ليفككه، ويستدعي الغرب ليحاوره، من أجل تأسيس شرعية جمالية جديدة للقصيدة العربية المعاصرة. إن كتاب الدكتور عادل ناجح البصيصي يمثل إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية، لأنه يتعامل مع جابر عصفور بما يليق بمقامه: لا كاسمٍ يُحتفى به، بل كمشروعٍ يُفكَّك ويُساءَل. بلغة أدبية رصينة، ومنهجية أكاديمية واضحة، ينجح المؤلف في أن يضعنا أمام السؤال الأهم : كيف يمكن للنقد أن يكون فعل تنوير حقيقي، لا مجرد وصفٍ للجمال؟ إنه كتاب جدير بأن يُقرأ ، وأن يِناقَش ، وأن يُنشر، لأنه يعيد الإعتبار لوظيفة الناقد كمؤسس للوعي، لا كحارس للمقابر الأدبية.
يقع الكتاب ب - 220 - صفحة من القطع المتوسط و تصميم الغلاف للفنان نورس نبيل يعقوب . .







التعليقات