طالب كريم
صدرت حديثا عن دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة المجموعة الشعرية الموسومة "الغائب في الضوء الأزرق " للشاعر محمد جدوع، وهي مجموعة تقع في نحو مئة وخمسين صفحة وتضم أكثر من خمسين قصيدة تباينت في بنائها الفني بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وقد جاء غلافها دالاً بذاته قبل قراءة الداخل بزرقته الحالمة ورجلها الصاعد في السحاب وحمامتها وقمرها كأن العنوان قد رُسم قبل أن يُكتب، ووضع الشاعر في خلفية الغلاف مفتاح فلسفته كلها حين قال ليس مفرا من القدر الوهم لكن دمدة أوعزتني أن استبيح ممالك ماض دميم يؤرجحني بعده حاضر من هزيع الندم وأهجع من سكرتي واشتياقي إلى بلدة في هبوب الألم يمر بها النهر منتحلا غربتين، بهذا المطلع يعلن الشاعر منذ العتبة أن كتابه ليس ديوان غزل عابر بل هو كتاب قدر وسؤال وسفر، والغائب في الضوء الأزرق ليس عنوانا بلاغيا عابرا بل هو مشروع رؤية متكامل، فالشاعر لا يتحدث عن غائب في الظلام بل عن غائب في الضوء، وهذا هو الانقلاب الجمالي الذي تؤسسه المجموعة كلها، الغياب عند جدوع ليس عدما ولا سوادا إنه حضور ممتلئ بالنور، زرقة تكثف العتمة حتى تصبح مرئية، ولهذا تتوزع قصائد الكتاب بين قطبي العتمة والزرقة كأنهما رئتان لقصيدة واحدة، فنجد قصائد مثل أبواب العتمة وظلمة ولحظة الهذيان وشبح العزلة يأتي دوما وحبس الأعمى وحدس الأعمى وفناء وظلال تقابلها قصائد مثل عاشق البنفسج وشذى وحنين ووارث النسيان وعيون المرايا والطفلة في المرأة وأبو الخصيب وصدى وطلال، وبين القطبين يمضي الشاعر سلما سلما نازلا من صراع الحياة كما يقول في قصيدته المحورية سفر، فتتأسس بذلك ثلاث دوائر متداخلة لا تنفصل تمنح المجموعة وحدتها العضوية رغم تنوعها الشكلي بين التفعيلة والنثر، الدائرة الأولى هي دائرة الوطن والشهيد وهي التي تمنح الكتاب جذره الواقعي وصلابته الأخلاقية وتبلغ ذروتها في قصيدة فناء التي يهتف فيها أطلق على جسدي الرصاص وارمني بشظايا الغاز المسيل للدموع لأن في دمي العراق يصبح ثورة لن أموت الشعب قال الكل قال النخل دجلة والفرات الله قال يسابق التحرير، وهي قصيدة تفعيلة بامتياز في إيقاعها الثوري، ثم يمضي في تتمتها وإن أنا مت الهوى يرجع مهدا في ساحة التحرير يقطر العراق، وهنا يتحول الشهيد من جسد إلى نهر ومن موت إلى مهد ومن فناء إلى ولادة جديدة لتكون قصيدة ناصر للحق التي تقول هو من يطلع من يصاب ويصير درعا للشباب خاتمة لهذه الدائرة الواقعية، أما الدائرة الثانية فهي دائرة الوجود والعزلة والتأمل وهي قلب الكتاب الفلسفي وفيها يعلن الشاعر منهجه التأملي الصافي ففي شبح العزلة يأتي دوما يطارد الشاعر شبح لا يفارقه، وفي تأمل يقول يبزغ المستحيل إلا الصمت من سبيل الصباح حصاة شطآن الفجيعة ولي التقاء الضوء في مدن الظلام، وفي وزر يقول رسمت خرائط دمع الياسمين على باب أحلام أطفالنا فكانت منافيخ أيامهم، وفي ظلمة يسأل سؤاله المركزي في الظلام أم في الورد أسير عاطلا بدروب أسكتها صوت العدم ليس لأني لا أبصر عتمة هذا العالم قلت المنفى بوصلة الغيب ومتكأ كنت على شجر الهذيان، وتبلغ هذه الدائرة ذروتها في قصيدتين متقابلتين هما لومة إلى الله ولحظة الهذيان، ففي الأولى وهي من قصائد التفعيلة المتماسكة يحاور الله حوار المحب لا الجاحد ، وليست به إلا وصفة ولبس لما ولي وجهة كالصدى عشت أنها الأبد وبلشت سدى فما موطن التجمع بل موطن الشهادة وهي لومة صوفية تذكرنا بقصائد السياب الدينية المتأخرة، وفي الثانية وهي قصيدة نثر خالصة يلخص فلسفة المجموعة كلها في بيت واحد ربما لم تكن في خطفة الوهم أو طعنة الهذيان ربما كان نذر الخطيئة نذرك تحملها أبد العمر مهما تسلى فيك شحوب الزمان، فالخطيئة هنا ليست إثما بل نذر وجودي يحمله الغائب في الضوء الأزرق طوال حياته، ثم تأتي الدائرة الثالثة لتكون هي التتويج الجمالي لكل ذلك وهي دائرة السفر والبنفسج والمرايا حيث يتحول السفر من انتقال مكاني إلى مقام صوفي، ففي سفر وهي من أجمل قصائد المجموعة وأكثرها اكتمالا وتمثل ذروة قصيدة النثر عند جدوع يقول سلما سلما نازلا من صراع الحياة أقتفي أثر النشأة البكر دون جهات تاركا أسلافي الآخرين في هذه الغابةوالأرض مثل الذئاب فيا صاحبي جسدي الكهل لا تنتظري إذا عدت من رحلتي وصراعي فلا سرت في أبد النور وهجا ولكن لي لذة السفر الأزلي كضوء تفرد دون شعاع فلم يصطحبني هنا غير بؤس السنين وألقى بي المرة الألف في بئر هذا الوداع فيا منفى كن لي الصديق، وهذا البيت الأخير فيا منفى كن لي الصديق هو البيت المفتاح لكل المجموعة فالمنفى عند جدوع لم يعد عقوبة بل صديق ورفيق سفر أزلي، وفي عاشق البنفسج وهي قصيدة تفعيلة رقيقة ، وهنا يتحول البنفسج من زهرة إلى فلكة أي إلى مصير كوني، كما تحول النخل في قصيدة أبو الخصيب التي هي من أرق قصائد الجنوب في الكتاب وهي قصيدة تفعيلة جنوبية خالصة مدت يديها في سكون مستريب نحو الغروب لتهدهد الشمس الصبية في نجيب لكن عينيها تروم لقاء نخل أبي الخصيب، فالمرأة عند جدوع نخلة والوطن نخلة والغائب نخلة ولهذا يظل الجنوب حاضرا في كل قصيدة حتى في أكثرها تجريدا، وفي وارث النسيان وهي قصيدة نثر تأملية ، وفي شذى وحنين وهي قصيدة نثر وجدانية سأنسى هنا جسدي عندما سوف تعرفني زهرة في هدوء الحقول ، وفي عيون المرايا أمضي إلى الورد والريح قبل هبوب المساء وبهذا يبني الشاعر عالمه بين بئر الوداع وأبد النور وبين نهر الظلام وضفة الحلم وبين بؤس السنين ولذة السفر الأزلي، أما لغة محمد جدوع في هذه المجموعة فهي لغة اقتصادية مكثفة تقوم على الجملة القصيرة والقطع الدرامي والسؤال الوجودي الدائم من سوف يعرفنا في الحياة ، وهي لغة لا تزخرف الحزن بل تجالسه ولا تتغنى بالعتمة بل تصادقها حتى تفتح أبوابها ، الشاهد الوحيد على الغائب وهو الذي يمنحه ضوءه الأزرق، وبهذا المعنى فإن الغائب في الضوء الأزرق إضافة حقيقية لقصيدة النثر العراقية وقصيدة التفعيلة الاعترافية الصوفية في آن واحد فهي لا تكتفي برثاء الذات بل تجعل من الرثاء سفرا ولا تكتفي بالبكاء على الشهيد بل تجعله مهدا في ساحة التحرير ولا تكتفي بلوم الله بل تجعل اللوم صلاة، والشاعر محمد جدوع بهذه المجموعة التي تباينت بين التفعيلة الملتزمة بإيقاعها الجنوبي وقصيدة النثر المنفتحة على تأملها الوجودي يثبت أنه وارث النسيان ووارث التذكر في آن واحد وارث يحمل نذر الخطيئة والضوء معا ويمضي سلما سلما نحو نشأته البكر تاركا وراءه الغابة والأرض والذئاب ومصطحبا معه وحده منفاه صديقا، وهذا ما يجعل المجموعة تستحق أن تقرأ وأن يحتفي بها المشهد الثقافي العراقي بوصفها شهادة جيل كامل عاش بين فناء الشهيد ولذة السفر الأزلي وبين أبواب العتمة والضوء الأزرق ولم يجد له من ملاذ سوى البنفسج والنخلة.
تقع المجموعة ب - ١٥٢ - صفحة من القطع المتوسط وكان تصميم الغلاف لزينب مهدي حسن . . .







التعليقات