طالب كريم
عن سلسلة " الموسوعة الصغيرة " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً للباحث والكاتب : ميثم الخزرجي كتابه الجديد الموسوم " البيئة الرقمية وتداعيات الإنسان المعاصر " لم يعد السؤال اليوم : ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ بل أصبح : ماذا لم تعد تستطيع أن تفعل؟ فالمختبر العلمي الذي لم يتوقف يوماً عن الإبتكار، اوصلنا إلى لحظة فارقة، لم تعد فيها البيئة الرقمية مجرد وسيط أو أداة، بل تحولت إلى بيئة حاضنة تحتوي الإنسان، تمسك بفاعليته، وتشاركه القدرة على إدارة شأنه، من أبسط قرارات يومه إلى أعقد تأملاته الذهنية . من هذه اللحظة المفصلية ينطلق كتاب " البيئة الرقمية وتداعيات الإنسان المعاصر " ، ليقدم لنا قراءة هادئة وعميقة في علاقة ملتبسة ومعقدة علاقة لم تعد بين سيد وأداة، بل بين كائنين يتداخلان في الحيز الذهني والعلمي معاً.الكتاب ليس احتفاءً ساذجاً بالثورة الرقمية، ولا هو خطاب رفض متشائم، بل هو مساءلة قيمية وعلمية في آن واحد. يسائل المؤلف كيف انتقلت البرمجيات الذكية من موقع التنفيذ إلى موقع التوجيه، وكيف أصبحت شريكاً في تدوير القرار الإنساني، تتدخل في طريقة تفكيرنا، وانتقاء معلوماتنا، وحتى في تشكيل مواقفنا. ويتوغل الكتاب أكثر في كشف ميكانيزم عمل هذه العقول المصنعة، فهذه البرامج ذات المعالجات الدقيقة لاتعمل ببراءة حسابية كما نتوهم، بل تعمل وفق منظومة حساسة من الأسئلة والضوابط. أنها تتعاطى مع أكثر المناطق حساسية في الوعي البشري، تلك الحلقات التي طالما كانت مثار جدل وسجال : مسائل العرق والسياسة والمعتقد. وهنا يطرح الكتاب سؤالاً جوهرياً : من الذي يقرر للآلة ماذا تقول وماذا تصمت ؟ وماهي المساحة الحقيقية الممنوحة لها للتفاعل مع الذهن البشري؟ اعتماداً على إستطلاع دقيق وتتبع دقيق لسلوك هذه المنظومات، يكشف المؤلف أن الذكاء الاصطناعي ليس كياناً حراً يجيب كما يشاء، بل هو كيان مؤطر بخرائط طريق أخلاقية وسياسية مرسومة سلفاً، تحدد له سقف التجاوب وحدود المسموح والمحظور. ولعل الذروة الجمالية والفكرية في الكتاب تكمن في مقاربته لموضوع الإبداع الشعري. فإذا كان الإنسان قد سلم للآلة مهام الحساب والتحليل والترجمة، فهل يمكن أن يسلم لها مهمة الشعر. يتناول الكتاب تجربة توليد النصوص الشعرية عبر الذكاء الاصطناعي، ليس من باب الانبهار التقني، بل من باب النقد الجمالي الخالص. فالنص الذي تنتجه الآلة قد يبدو موزوناً ، مصقولاً ، محكم البناء الفني، يراعي التكنيك ووحدة النص، وربما يخدع القارئ العابر. لكن السؤال الذي يضعه الكتاب على طاولة النقد هو : هل يكفي إتقان الصنعة ليكون الشعر شعراً؟ هنا يستدعي المؤلف معياري الذوق والمعيار النقدي. فالذائقة الأدبية لاتزن القصيدة بميزان العروض فقط، بل بميزان الروح. النقد لايحاكم النص على هندسته اللغوية فحسب، بل على حرارته الإنسانية، على تلك الرجفة الخفية التي تتركها التجربة الصادقة في الكلمات، فهل تملك الخوارزمية سيرة ذاتية؟ هل عاشت خيبة حب أو لوعة فقد أو نشوة لقاء لتكتب عنها؟ إنها تجمع كلمات عن الحزن دون أن تحزن، وتكتب عن الوطن دون أن تتغرب. ومن هذه النقطة ينتقل الكتاب إلى واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في العصر الرقمي، وهي إشكالية الحقوق ، إذا أنتجت لنا البرامج الذكية نصاً اقترنت صياغته الجمالية بدرجة عالية من الإبداع البشري المتراكم، نصاً يحاكي عبقرية التقنية والبناء الفني التي راكمها الشعراء عبر القرون، فلمن تعود ملكيته؟ الكتاب يلمح إلى مفارقة لافتة : نحن نطالب بحماية حقوق الملكية الفكرية للإنسان من سطو الآلة، وفي ذات الوقت بدأنا نتساءل - وبشيء من السذاجة - عن الحقوق الفكرية للآلة نفسها. كأننا أمام كائن جديد يطالب بالإعتراف. الكتاب يطلق جرس إنذار هادئ للمثقف العربي : لاتخشَ من أن تنافسك الآلة في الكتابة، بل اخشَ أن تتنازل أنت طوعاً عن ادواتك النقدية وذائقتك الجمالية، فتُسلم للآلة مهمة تقييم الجمال وتحديد القيمة. حينها لن تكون المشكلة أن الآلة تكتب شعراً، بل أننا لم نعد نميز الشعر من نظمه.
يقع الكتاب ب - ١٧٦- صفحة من القطع الصغير وكان تصميم الغلاف للفنان نورس نبيل يعقوب.







التعليقات