طالب كريم
عن سلسلة " آثار"التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً وبجزأين كتاب " البلدان والأمكنة والمواقع والآثار -- في مجلة لغة العرب " للباحث الأستاذ محمد علي محيي الدين . هناك كتب تُقرأ لذاتها، وكتب تُقرأ لأنها تفتح لنا نوافذ واسعة على مكتبات كاملة طواها النسيان، وكتاب الباحث محمد علي محيي الدين الموسوم " البلدان والأمكنة والمواقع والآثار في مجلة لغة العرب " الصادر بجزأين ينتمي يقيناً إلى هذا الصنف الثاني، فهو ليس مجرد جمع ورصف لمقالات متناثرة، بل هو إستعادة علمية موثقة لذاكرة مكان كاد أن يضيع، أحياها المؤلف من بين صفحات واحدة من أعرق المجلات الثقافية العربية و أكثرها رصانة. فمنذ صدورها لم تكن مجلة " لغة العرب " التي أسسها الأب أنستاس الكرملي مجلة لغوية بالمعنى الضيق، بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً لتوثيق العراق لغة وتاريخاً وجغرافية و آثاراً، حيث نشرت عبر سنوات صدورها مئات المقالات والأبحاث الجديدة والمبتكرة التي لم يتطرق لها باحث قبلها بهذا العمق، مستندة إلى كتب تاريخية مهمة عن المدن والآثار العراقية كادت أن تطويها يد الإهمال و النسيان. ولأجل ذلك شمّر الباحثون والمحررون عن سواعد الجد ونقبوا في بطون الكتب المخطوطة والمطبوعة، وقارنوا بين الروايات ودققوا في الأسماء والمواقع، ليقدموا مادة علمية ماتزال حتى اليوم تدهش الباحث المعاصر بمنهجيتها ودقتها. ومايضفي على هذا الجهد قيمة مضاعفة هو أسماء النخبة التي أسهمت في تحرير هذه المقالات، فقد اجتمع على صفحات " لغة العرب " مالم يجتمع في منبر آخر : الأب أنستاس الكرملي والشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ علي الشرقي والباحث الموسوعي يعقوب نعوم سركيس والسيد عبد الرزاق الحسني والشيخ محمود شكري الآلوسي والأب يوسف رزق الله غنيمة والشماس فرنسيس جبران، إلى جانب المستشرقين المعروفين مثل كونكو وجونياك وغيرهم من مشاهير الكتاب والباحثين. وهذا التنوع المذهبي والفكري والمنهجي بين رجل دين مسلم وآخر مسيحي ، وبين باحث عراقي ومستشرق أوروبي، هو الذي منح توثيق المجلة مصداقيته العلمية وحياده المعرفي، وجعله بعيداً عن التعصب وقريباً من روح البحث الموضوعي الخالص . ويمثل هذا الكتاب في جوهره نافذة مهمة على تلك الجهود العلمية الرائدة التي بذلتها المجلة في توثيق تاريخ العراق الحضاري والجغرافي، ولاسيما ما يتصل بالمدن والبلدات والقرى والمواقع الأثرية و المعالم التاريخية، فقد أولت المجلة عناية خاصة بدراسة نشأة المدن وتطورها وتتبع أسمائها وأصولها اللغوية وتحولاتها عبر العصور. وتكتسب هذه الدراسات أهمية إستثنائية في زماننا لأنها حفظت جانباً كبيراً من الذاكرة التاريخية للعراق في وقت كانت فيه كثير من المعالم والآثار عرضة للإهمال أو الإندثار، لتشكل بذلك سجلاً معرفياً فريداً حفظ تفاصيل دقيقة عن الأماكن والآثار والأحداث والشخصيات المرتبطة بها، مما يجعله مرجعاً لاغنى عنه لكل باحث ومهتم بتاريخ العراق وتراثه الحضاري العريق. إن أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في أنه أنقذ ذاكرة أمة من الضياع وأعاد تقديمها بلغة العصر ومنهجه، ففي زمن تتعرض فيه آثار العراق للتخريب والنسيان يأتي هذا الكتاب ليذكرنا بأن الكلمة المكتوبة قد تكون أحياناً أبقى من الحجر، وأن مجلة صدرت قبل قرن من الزمان ماتزال قادرة على أن تعلمنا كيف نحب مدننا ونحفظ أسماءها وحكاياتها، فتحية للباحث محمد علي محيي الدين على هذا الجهد التوثيقي الكبير، وتحية لروح " لغة العرب " التي ماتزال تنطق بلسان المكان العراقي
يقع الجزء الأول من الكتاب ب - ٧٣٧ - صفحة من القطع الكبير ويقع الجزء الثاني من الكتاب ب - ٦٢٤ -صفحة من القطع الكبير وتصميم الغلاف للفنان ضرغام حامد . . .







التعليقات