في صباحٍ من أيام الصيف، حين كانت الشمس ما تزال طريّة على الجدران، وقف إيسر في ساحة الحي يحتضن طائرته الورقية كما يحتضن المرء سرًّا عزيزًا, كانت حمراء وزرقاء، مرصّعة بنجومٍ صغيرة رسمها بيده، تلمع كلما مالت في الضوء، وكأنها تخبّئ في داخلها قطعة من السماء .
قال بصوتٍ واثق، وهو يشدّ العصا الخشبية بأصابعه : "اليوم سأجعلها تطير عاليًا , أعلى من كل طائرة في هذا الحي."
جرى قليلًا، أطلق الخيط، وانتظر, ترددت الطائرة في الهواء كمن يتلمّس خطواته الأولى، ارتفعت شبرًا، ثم استسلمت وهوت إلى العشب, حاول مرة، ومرتين، وثلاثًا، وفي كل مرة كانت الطائرة تهبط وكأنها تعتذر منه بصمت.
جلس على العشب وركبتاه ملتصقتان بصدره، ونظر إلى الطائرة الساكنة بجانبه كأنها كائن خذله, تمتم لنفسه : "لماذا لا تطيرين؟ ألستِ الأجمل؟"
لم يجد جوابًا في الساحة، فحمل خيبته إلى بيت جده حكيم، الذي كانت عيناه تحملان دائمًا إجابات لا تشبه إجابات أحد.
تفحّص الجدّ الطائرة طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة من يعرف السر قبل أن يُسأل: "جميلة حقًا يا إيسر لكن أخبرني , هل سألتَ نفسك لماذا ترفض أن تطير وحدها؟"
خفض إيسر رأسه قليلًا : "لا أعرف , أنا صنعتها بعناية، كل خيط في مكانه."
قال الجد، وهو يمدّ يده ليلمس الخيط: "بعض الأشياء الجميلة يا صغيري لا تكفيها يدٌ واحدة لتستقر في الهواء, الطائرة لا تطلب منك أن تكون أقوى, هي تطلب منك أن لا تكون وحيدًا وأنت تمسك بها."
فكّر إيسر في الجملة طويلًا، كما يفكر المرء في لغزٍ بسيط يخجل من بساطته. سأل بصوتٍ خافت : "تقصد أن أطلب المساعدة؟"
ابتسم الجد ولم يُجب، لأن بعض الأسئلة تكون هي الجواب.
في اليوم التالي، حمل إيسر طائرته إلى ساحة اللعب، حيث كانت ضحكات أصدقائه تملأ الهواء قبل أن يصلها هو , وقف بينهم، ومدّ الخيط كأنه يمدّ يده : "من يريد أن يطير هذه الطائرة معي؟"
تسابق الأصدقاء إليه، وأمسك كل واحدٍ منهم طرفًا من الخيط، وكأن الطائرة، منذ تلك اللحظة، لم تعد ملكًا له وحده.
جرَوا معًا، وارتفعت الطائرة متردّدة كعادتها أول الأمر، ثم فجأة كأنها وجدت أخيرًا ما كانت تنتظره انطلقت, صعدت وصعدت، تتماوج بين الغيوم البيضاء، تدور وتميل وكأنها تراقص الريح.
صرخ إيسر، وصوته يهتز من فرحٍ لا يشبه أي فرح سابق : "انظروا ! انظروا كيف تطير!"
ضحك الجميع معًا، وشعروا بشيءٍ لا اسم دقيق له : فرحٌ لا يُصنع إلا حين يُقسَّم بين قلوبٍ كثيرة.
جلسوا بعدها على العشب، رؤوسهم مائلة إلى الوراء، أعينهم معلّقة بالطائرة وهي ترقص فوقهم كخيطٍ من الضوء, قال إيسر، وابتسامته أهدأ من ابتسامة الصباح : "لم أكن لأجعلها تطير وحدي , أحيانًا النجاح يشبه هذا الخيط، لا يُشدّ جيدًا إلا حين تمسك به أكثر من يد."
هزّ أصدقاؤه رؤوسهم، لا موافقةً فقط، وإنما كمن اكتشف للتوّ حقيقة كانت أكبر من أن يراها وحده.
ومنذ ذلك اليوم، صار لكل طائرة ورقية في الحي حكايتها الخاصة : حكاية عن يدٍ مدّت الخيط لأخرى، وعن سماءٍ لم تتّسع إلا حين ارتفعت فيها فرحة أكثر من طفل.







التعليقات